ابن حزم

343

رسائل ابن حزم الأندلسي

الحمير والبقر ، على ثلاثة أصناف « 1 » : فصنف لا يبالي فيما صرف كلامه مبادرا إلى الإنكار أو التصديق أو المكابرة دون تحقيق ، فإن سألته إثر انقضاء كلامه عن القول الذي نصر دون تحقيق لم يدر ولا عرف من نصر ولا قوله ، وهذا هو الأغلب في الناس ، وتجد من هذه صفته يضنّ على أخيه وجاره بزبل منتن عند رجلي حماره فلا يبذله لمن ينتفع به ، وهو أسمح الناس بالنطق الذي بان به عن التيوس والكلاب في غير أجر ولا بر لكن في الباطل والوزر والإفساد ، وإن لم يحصل من ذلك ظاهرا إلا على تخشين « 2 » أنابيب صدره وتصديع رأسه واحتدام طبعه وإن سفه وسفه عليه . وصنف آخر ينصر ما عقد عليه نيته واعتقده بغير برهان ، فلا يبالي بما نصره من حق أو باطل أو محال أو مكابرة أو أذى ، وكذلك لا تجده اعتقد ما اعتقد إلا إلفا أو تقليدا أو شهوة ، دون تحري حق ولا مجانبة باطل ، وهؤلاء كثير وهم دون الأولين . وصنف ثالث لا يقصدون إلا إلى « 3 » نصر الحق وقمع الباطل وهؤلاء قليل جدا ، ولا أعلم في الموجودات شيئا أقل [ 89 ظ ] منه البتة ، نسأل اللّه تعالى أن يثبتنا في عدادهم « 4 » وأن لا يحيلنا « 5 » عن هذه الصفة الكريمة بمنه آمين ، فإن العاقل ينبغي له أن يبغض نفقة حياته ونطقه « 6 » اللذين بهما أبانه خالقه تعالى عن الجمادات وسائر الحيوانات في غير ما ينتفع به لمعاده أكثر مما يبغض إنفاق ماله الذي هو غاد عنه ورائح . واعلم أن ما ذكرنا من الوقوف على الحقائق لا يكون إلا بشدة البحث ، وشدة البحث لا تكون إلا بكثرة « 7 » المطالعة لجميع الآراء والأقوال « 8 » والنظر في طبائع

--> ( 1 ) عرض ابن حزم لهذه الفكرة في رسالته في مداواة النفوس ( رسائل 1 : 381 ف : 147 ) فقال : رأيت الناس في كلامهم الذي هو فصل [ ما ] بينهم وبين الحمير والكلاب والحشرات ينقسمون أقساما ثلاثة : أحدها لا يبالي فيما أنفق كلامه ، فيتكلم بكل ما سبق على لسانه غير محقق نصر حقّ ولا إنكار باطل ، وهذا هو الأغلب في الناس . والثاني أن يتكلم ناصرا لما وقع بنفسه أنه حق ودافعا لما توهم أنه باطل ، غير محقق لطلب الحقيقة لكن لجاجا فيما التزم ، وهذا كثير وهو دون الأول . والثالث : واضع الكلام في موضعه وهذا أعز من الكبريت الأحمر . ( 2 ) س : تحسين . ( 3 ) إلى : سقطت من م . ( 4 ) س : عددهم . ( 5 ) وأن لا يحيلنا : ولا يخلينا في س . ( 6 ) م : وموته . ( 7 ) م : بكثير . ( 8 ) م : الأقوال والآراء .