ابن حزم

334

رسائل ابن حزم الأندلسي

عن التفريق بين القولين ، وكما نلوم من ظهر إليه برهان فتمادى على الباطل ولم يرجع [ 86 ظ ] إلى موجب البرهان ، فكذلك نلوم من سارع إلى القبول لما سمع بلا برهان ، وكما نحمد من رجع إلى موجب البرهان فكذلك نحمد من ثبت على موجبه ولم يرجع لاقناع سمعه أو سفسطة ؛ وإن « 1 » عجز عن كسر هما ، فحصل لنا من « 2 » هذه المقدمات حمد من لم يعتقد إلا ما أوجبه البرهان فقط . والتكثير من الأدلة قوة وليس يعدّه عجزا إلا جاهل منقطع . وحقّق كلّ ما تسمعه من خصمك ولا تتغفله « 3 » وأقله إن أخطأ ولا تدع مشكلا إلا وقفته عليه ، فإذا استقر البيان سليما من النقص والإشكال فأجب حينئذ . وكما « 4 » تطالب خصمك بذلك فالتزم له سواء سواء . وبيّن سؤالك سليما من النقص والإشكال . وإياك وإدخال ما ليس من المناظرة في المناظرة فهذا من فعل أهل المجون « 5 » أو من يريد أن يطيل الكلام حتى ينسي آخره أوّله لينسى غلطه وسقطه . وتأمل مقدماته ومقدماتك وعكسك وعكسه « 6 » ونتائجه ونتائجك فلا ترض لنفسك من خصمك ولا من نفسك لخصمك « 7 » إلا بالحق الواضح . واعلم أنه ليس على المرء أكثر من نصر الحق وتبيينه ، ثم ليس عليه أن يصور للحواس أو في النفوس ما لا سبيل إلى تصويره وما لا صورة له أصلا ، كمن أثبت أن الواحد الأول لا جوهر ولا عرض ولا جسم ولا في زمان ولا في مكان ولا حاملا ولا محمولا ، فأراد الخصم منه أن يشكل له ذلك ، فهذا لا يلزم ؛ وهذا كأعمى كلّف بصيرا أن يصوّر له الألوان ، فهذا ما لا سبيل إليه ، وهذا تكليف فاسد لا نقص في العجز عنه على المكلّف « 8 » . وأما ما دام ذلك ممكنا فواجب على المكلّف بيانه

--> ( 1 ) س : فإن . ( 2 ) لنا من : لنا طرين في س . ( 3 ) س : تغفله . ( 4 ) س : وكلما . ( 5 ) س : الجنون . ( 6 ) م : وعكسه وعكسك . ( 7 ) م : من نفسك لخصمك ولا من خصمك لنفسك . ( 8 ) س : التكليف .