ابن حزم
317
رسائل ابن حزم الأندلسي
الموصلين إلى فوز الآخرة والسلامة الأبدية ، وبه نعرف حقيقة العلم ، ونخرج « 1 » من ظلمة الجهل ، ونصلح تدبير المعاش والعالم والجسد « 2 » . ومن الناس من يستشهد بالعقل على تصحيح شيء ليس في العقل إلا إبطاله ، كمتطلب في العقل عللا موجبة لجزئيات الشرائع ، فإنه ليس في العقل إلا وجوب الائتمار للأول الخالق فقط في أي شيء أمر به ، ولو [ 81 و ] أنه « 3 » قتل أنفسنا فمن دونها بأنواع المثل « 4 » ؛ وأمّا علة موجبة لتحريم لحم الخنزير وإباحة لحم التيس ، أو لإيجاب الصلاة بعد زوال الشمس والمنع منها حين طلوعها ، أو لأن تكون صلاة أربع ركعات وأخرى ثلاثا ، أو صيام شهر رمضان دون ذي الحجة ، أو الحج إلى مكة في ذي الحجة دون الحج إلى غيرها في شهر آخر ، وقتل من زنا وهو محصن عفا عنه زوج المزنيّ بها أو أبوها أو لم يعفوا ، أو تحريم قتل من قتل النفس المحرمة إذا عفا عنه الولي . ولا « 5 » تحريم المشقوق البطن أو المخنوق « 6 » وتحليل المذبوح أو المنحور ، فليس ابتداء هذا كله في العقل أصلا . وهكذا جميع « 7 » الشرائع ، وهكذا جميع أفعال الخالق تعالى فإنه خلق الحمار خلقا مهينا للسخرة ، وخلق الفرس للركوب ، وحبا صورة الإنسان بالعقل ، وسلّط الكلب على الظبي ، وأباح ذبح بعض الحيوان دون بعض للأكل ، وخلق بعض الحيوان طيّارا وبعضه مائيا ، وبعضه طعاما لبعض ، وبعضه ناطقا وبعضه جاهلا ، وبعضه ذا رجلين وبعضه ذا أربع أرجل وبعضه ذا ست أرجل وبعضه ذا أكثر من ذلك وبعضه بلا رجل أصلا ، وخلق الأسد شجاعا جريئا والقرد جبانا هلوعا ، وخلق أشياء حادة الإبصار وخلق الخلد أعمى ، وخلق ذوات السموم المؤذية للحيوان . وهكذا رتب الخالق الكريم الأشياء كلها « 8 » . ويلزم من فرّ عن
--> ( 1 ) م : يعرف . . . ويخرج . ( 2 ) م : العالم والجسد والمعاش . ( 3 ) س : بأنواع . ( 4 ) س : فمن دونها السل . ( 5 ) س : لا . ( 6 ) س : المخبون . ( 7 ) جميع : سقطت من س . ( 8 ) م : رتب الخلق كله .