ابن حزم
318
رسائل ابن حزم الأندلسي
هذا إلى أن النفس فعلت ذلك « 1 » إيجاب العجز أو المسامحة في العبث على أصله للباري ، تعالى عن ذلك . وقد بينا هذا « 2 » في كتاب « 3 » « الفصل » بيانا كافيا . وإنما العقل قوة تميز بها النفس جميع الموجودات على مراتبها وتشاهد بها ما هي عليه من صفاتها الحقيقية لها فقط وتنفي بها عنها ما ليس فيها . فهذه حقيقة حد العقل ويتلوه في ذلك الحواس سواء سواء ، وهذا التمييز هو حدّ إدراك العقل الذي لا إدراك له غيره . وأما حد منفعة العقل فهي استعمال الطاعات والفضائل ، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل ، والكلام في هذا وغيره مما هو متصل به « 4 » مستوعب ، إن شاء اللّه تعالى ، في كتابنا « في أخلاق النفس » « 5 » . واعلم أن الأكثر من الناس جدا فالغالب عليهم الحمق وضعف العقول ، والعاقل الفاضل نادر جدّا وقليل البتة ، وهذا يوجد حسا . وقد ورد النص بذلك عن الخالق الأول وعن خيرته المبتعث إلينا صلى اللّه عليه وسلم . قال تعالى : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ( الأنعام : 116 ) . وقال رسول اللّه [ 81 ظ ] صلى اللّه عليه وسلم : « الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة » « 6 » . وأما ما « 7 » يظنه أهل ضعف العقول من أنه عقل وليس عقلا ولا مدخل للعقل فيه فقد غلطوا في ذلك كثيرا ، فإنهم يظنون العقل إنما هو ما حيطت به السلامة في الدنيا ووصل به إلى الوجاهة والمال « 8 » ؛ وهذا إذا
--> ( 1 ) س : ذلك في . ( 2 ) س : ذلك . ( 3 ) كتاب : سقطت من س . ( 4 ) به : سقطت من س . ( 5 ) هي رسالته في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق ، انظر الجزء الأول من رسائله : 323 - 414 . وقد تحدث فيها عن حدّ العقل فقال : « وأما إحكام أمر الدنيا والتودد إلى الناس بما وافقهم وصلحت عليه حال المتودد من باطل وغيره أو عيب أو ما عداه ، والتحيل في إنماء المال وبعد الصوت وتمشية الجاه بكل ما أمكن من معصية ورذيلة ، فليس عقلا . . . لكن هذا الخلق يسمى الدهاء ( الرسائل 1 : 379 ) ، وقال أيضا : « حدّ العقل استعمال الطاعات والفضائل ، وهذا الحد ينطوي فيه اجتناب المعاصي والرذائل ( رسائل 1 : 378 ) . ( 6 ) صحيح مسلم ( فضائل الصحابة ) : 232 ومسند أحمد 2 : 7 ، 44 ، 70 . . . ( 7 ) ما : سقطت من س . ( 8 ) انظر التعليق السابق رقم : 5 المنقول عن رسالته في مداواة النفوس .