ابن حزم

299

رسائل ابن حزم الأندلسي

والعجب واقع على هؤلاء كوقوعه على المذكورين قبل ولا فرق . فينبغي لكل طالب حقيقة أن يقر بما أوجبه العقل ، ويقر بما شاهد وأحس وبما قام عليه برهان راجع إلى البابين « 1 » المذكورين ، وأن لا يسكن إلى الاستقراء أصلا إلا أن يحيط علما بجميع الجزئيات التي تحت الكل الذي حكم فيه . فإن لم يقدر فلا يقطع بالحكم على ما لم يشاهد ولا يحكم إلا على ما أدرك دون ما لم يدرك . وهذا إذا تدبرته في الأحكام الشريعية « 2 » نفعك جدا ومنعك من القياس الذي غر كثيرا من الناس ومن الأئمة الفضلاء الذين غلط بغلطهم ألوف ألوف من الناس ، وأنت إذا فعلت ذلك كنت على يقين من الصواب لأنك لم تقطع بتحليل ولا بتحريم ولا إيجاب إلا على كل ما أتاك عن اللّه تعالى الحكم عليه ، وأما ما لم تجد فيه نصا فأمسك عنه ولا تقطع عليه بأنه « 3 » داخل في حكم ما وجدت فيه نصا بتكهنك « 4 » . واعلم أن قوما غلطوا أيضا « 5 » في هذا النوع غلطا لم يخرجوا به من هذا المنتشب « 6 » إلا أنهم بسوء النظر ظنوا أنفسهم خارجين منه فسموا فعلهم في هذا الباب باسم آخر ، وهو أن سمّوه « الاستدلال بالشاهد على الغائب » وبالحقيقة لو حصلوا البحث لعلموا أن الغائب عن الحواس من الأشياء المعلومة ليس بغائب عن العقل بل هو شاهد فيه كشهود ما أدرك بالحواس ولا فرق . وإذا أيقن المرء أن الحواس موصلات إلى النفس وأن النفس إنما [ 75 و ] يصحّ حكمها في المحسوسات « 7 » ، إذا صحّ عقلها من الآفات ، وبأن نتفرغ من كل ما يشغل عقلها ، وانفردت بأن تستبين « 8 » به وتفكر فيما دلّها عليه ، لم يجد المرء حينئذ لما يشاهد بحواسه فضلا على ما شاهد بعقله دون حواسه ، فلا غائب من المعلومات أصلا ، إذ ما غاب عن العقل لم يجز أن يعلم البتة ،

--> ( 1 ) س : الناس . ( 2 ) س : الشرعية . ( 3 ) س : فإنه ( وفوقها علامة خطأ ) . ( 4 ) بتكهنك : فأمسك عنه في س . ( 5 ) أيضا : سقطت من س . ( 6 ) س : المنتسب . ( 7 ) س : بالمحسوسات . ( 8 ) م : تستنير .