ابن حزم

300

رسائل ابن حزم الأندلسي

ونحن نجد الأعمى الذي ولد أكمه موقنا بأن « 1 » الألوان موجودة ، كإيقان المبصر لها ولا فرق ؛ وكذلك يقيننا « 2 » بوجود الفيل وإن كنا لم نره قط كيقين من رآه ولا فرق . وإنما افترق الأعمى والبصير في كيفية الألوان فقط ، وأما في أن اللون صحيح موجود فلا فرق بينهما في يقين العلم بذلك . وكذلك نحن إنما يفضلنا من رأى الفيل بالكيفية فقط ، وإنما صحة وجوده فلا فضل له علينا في المعرفة بأنه حق . ونحن وإن كنا لم نشاهد - ولا أخبرنا من شاهد - ولا بلغنا أن في الناس اليوم إنسانا يرفع من الأرض ستمائة رطل ، فلسنا ننكر وجوده ، إن وجد ، كإنكارنا وجود إنسان يرفع ستة آلاف رطل من الأرض ، وكلاهما لم نشاهده ولم نشاهد مثله . فليس وجودنا أشياء كثيرة مشتركة في بعض صفاتها اشتراكا صحيحا ، ثم وجودنا بعض تلك الأشياء ، ينفرد بحكم ما نتيقنه فيها بموجب أن نحكم على سائر تلك الأشياء باستوائها في هذا الحكم الثاني من قبيل استوائها « 3 » في الحكم الأول . وهذه دعوى « 4 » سمجة وتحكم فاحش ، وإنما يلزم هذا إذا اقتضت طبيعة ما وجود « 5 » شيء فيما هي « 6 » فيه وعلمنا وجوب ذلك بعقولنا ، فإذا كان ذلك ، حكمنا ضرورة على ما لم نشاهد من أجزاء ذلك الشيء كحكمنا على ما شاهدناه منها ، كاقتضاء طبيعة ذرع كل جسم متحرك أن يكون متناهي الأقطار ، فهذا معلوم بأولية العقل وموجب حكم الكمية ، وكاقتضاء طبيعة منيّ الإنسان أن لا يتولد منه بغل ولا جمل ، لكن جسم بشكل ما ، فيه نفس ناطقة تقبل التعليم والتصرف في الصناعات « 7 » ، فليست معرفتنا بأن أجسامنا متناهية لأن طبيعة العقل توجب ذلك بأقوى من معرفتنا بأن جسم الفلك متناه إنما صح عندنا لأن أجسامنا متناهية ، لكن الوجه الذي صحّ أن أجسامنا متناهية به صحّ أن جسم

--> ( 1 ) م : أن . ( 2 ) س : تيقنا . ( 3 ) س : استوائهما . ( 4 ) س : الدعوى . ( 5 ) س : يوجد . ( 6 ) س : هو . ( 7 ) س : والصناعة .