ابن حزم

290

رسائل ابن حزم الأندلسي

وتوقفوا جدا وسهل جانبهم ، ولا سيما إن ذكرت لهم جماعة يقولون بذلك فقد كفيت التعب معهم ، فمثل هؤلاء ينبغي أن يردعوا بما يؤثر فيهم ، فالطبيب الحاذق لا يعطي الدواء إلا على قدر احتمال بنية المتداوي « 1 » ، ومداواة النفوس أولى بالتلطف لإصلاحها من مداواة الأجسام . وأما ما طلب بتقديم « 2 » المقدمات فإما أن يطلب على وجهه الذي وصفنا « 3 » فيكون الطالب على يقين وثلج ، وإما أن يتفق هو وخصمه على مقدمات لم تثبت بالعمل الذي قدمنا لكن بتراض منهما ؛ وهذا ينقسم قسمين : أحدهما أن يوفقا لمقدمات « 4 » حق فيدخلان في القسم الذي قدمنا ببختهما لا ببحثهما وبجدهما لا بحدهما « 5 » ، وبحظهما لا بتفتيشهما ؛ والثاني أن يتفقا على مقدمة فاسدة أو مقدمتين كذلك « 6 » ، وهذا ينقسم قسمين : أحدهما أن يتراضيا على ذلك معا فهما ظالمان لأنفسهما ، وما أنتجت تلك البلايا التي التطخا فيها فلازم لهما في قوانين المناظرة لا في الحقيقة ، والحقيقة باقية بحسبها لا يضرها تراضي الجهّال بالباطل ، وذلك كثير جدا في الملل والآراء الطبيعية والنحل والفتيا « 7 » كاتفاق المنانية على قدم الأصلين والنصارى على التثليث وقوم من المعتزلة على أن أشياء في العالم محدثة غير مخلوقة ، وهذا نسميه نحن « عكس الخطأ على الخطأ » ومما حضرنا من ذلك على كثرته ردّ إخواننا الحكم في جنين الأمة على خطائهم في تقويم الغرّة في جنين الحرة . والقسم الثاني أن يوافق الخصم العالم المحقّ خصمه على مقدمة فاسدة يقدمها لا راض « 8 » بها ولكن « 9 » ليريه فساد إنتاجها وأنها تؤديه إلى محال أو إلى فساد

--> ( 1 ) م : المداوى . ( 2 ) س : وأما طلب تقديم . ( 3 ) س : وصعه . ( 4 ) س : أن توفق المقدمات . ( 5 ) س : وبحدهما لا يجدهما . ( 6 ) س : فذلك . ( 7 ) والفتيا : من م وحدها . ( 8 ) م : رضىّ . ( 9 ) م : لكن .