ابن حزم
278
رسائل ابن حزم الأندلسي
والقسم الثالث جزئي اللفظ كلي المعنى ، وهو ما جاء اللفظ به في بعض النوع دون بعضه إلا أن ذلك الحكم شامل لسائر ذلك النوع ، وهذا لا يعلم [ 67 ظ ] من ذلك اللفظ الجزئي لكن من لفظ آخر وارد بنقل حكم هذا الجزئي إلى سائر النوع . والقسم الرابع كلي اللفظ جزئي المعنى وهو ما جاء بلفظ عام والمراد به بعض ما اقتضاه ذلك اللفظ ، إلا أن هذا القسم والذي قبله لا يفهم معنياهما من ألفاظهما أصلا لكن ببرهان من لفظ آخر أو بديهة عقل أو حسّ يبين كل ذلك أنه إنما أريد به بعض ما يقتضيه لفظه دون ما يقتضيه « 1 » ذلك اللفظ . ولولا البرهان الذي ذكرنا لما جاز أصلا أن ينقل عن موضوعه « 2 » في اللغة ولا أن يخص به بعض ما هو مسمّى به دون سائر كلّ ما هو مسمّى بذلك اللفظ . فأما النوع الذي هو كلي اللفظ جزئي المعنى فهو كقول الناس في معهود خطابهم « فسد الناس » وإنما المراد بعضهم ، وهذا يعلم ببديهة العقل ، لأن الناس لا يفسدون كلهم إلا بذهاب الفضائل جملة ، والفضائل أجناس وأنواع مرتبة في بنية العالم ، ولا سبيل إلى عدم نوع بأسره جملة حتى لا يوجد في العالم أصلا . وكقول القائل « الماء للعطشان حياة » إنما يريد بعض المياه ، وهذا يعلم بالحس لأن ماء البحور « 3 » والمياه المرة ليست حياة للعطشان . ومن هذا النحو قول اللّه عزّ وجل الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ( آل عمران : 173 ) وهذا معلوم بالعقل أنه تعالى إنما عنى بعض الناس لأنه ممتنع لقاء جميع الناس لهم مخبرين ؛ ومن ذلك أيضا قول اللّه عز وجل : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ( المائدة : 6 ) وإنما المراد به « 4 » بعض أحوال القيام إلى الصلاة دون بعض ، وهي حال كون المرء محدثا ، وهذا إنما علم ببيان آخر . واعلم أن المراد بهذا اللفظ ما ذكرنا ، وهذا مستعمل كثيرا في الكلام ، إلا أنه « 5 » لا بد من برهان يعدله عما وضع عبارة عنه في اللغة ، وإلا فهو تحكم من مدعيه وإفساد للبيان الذي يقع به التفاهم . وليت شعري هل إذا لم يكن
--> ( 1 ) لفظه . . . يقتضيه : سقط من س . ( 2 ) س : موضعه . ( 3 ) م : البحر . ( 4 ) به : من ذلك في س . ( 5 ) م : لأنه .