ابن حزم

23

رسائل ابن حزم الأندلسي

تضيق ) لأن الفتيا تعتمد - في نظره - على مقدمات مأخوذة من القرآن والحديث والاجتماع ( ولم يقل القياس لأنه ينكره في مذهبه ) ؛ ومن الواضح أنه كسر التقسيم الثنائي حين تعمّد أن يضع المنطق بين العلوم الإسلامية ليوحي بأنه علم مشترك بين جميع الأمم مثلما أنه في خدمة جميع العلوم ، كما أنّه لم يجر أيّ ذكر للفلسفة لأن القسم الذي يهمه منها مثل حدوث العالم والخلاء والملاء وما أشبه يقع حسب تصوّره في ما سمّاه « علم المذاهب » ؛ كما أنه لم يفسح في تصنيفه هذا مجالا للعلوم الطبيعية ( عدا الطب ) مثل الحيل والمناظر ؛ والجواب عن هذا أنه يحتكم إلى الأمر الدائر بين الناس في تعداد العلوم هنا ، وأنه يعلم تماما كما قال في رسالته في مراتب العلوم « أن كل ما علم فهو علم فيدخل في ذلك علم التجارة والخياطة والحياكة وتدبير السفن وفلاحة الأرض . . . » « 1 » . وبسبب هذا الاحتكام إلى ما دار بين الناس فارق التصنيف الفلسفي عن وعي وتعمّد : « وهذه الرتبة هي غير الرتبة التي كانت عند المتقدمين ، ولكن إنما نتكلم على ما ينتفع به الناس في كل زمان مما يتوصلون به إلى مطلوبهم من إدراك العلوم » « 2 » ، وهي غاية عملية تنسجم تماما مع روح كتاب التقريب الذي ما وضع أصلا إلا لتلك الغاية نفسها . واستجابة لتساؤلات تلامذته حول العلوم استطاع ابن حزم أن يقرّر الحدّ الأدنى الضروري لكل طالب من علم القراءات والحديث والنحو واللغة والشعر والحساب والطب « 3 » ، كما توجه بطبيعة التساؤلات نفسها إلى فكرة المفاضلة بين العلوم ، وهذا ما يوحي به عنوان رسالته « مراتب العلوم » ، وهو عنوان استعمله الفارابي من قبل « 4 » ، ولعله هو ذلك الكتاب نفسه الذي سمّي من بعد « إحصاء العلوم » . ودين ابن حزم للفارابي يتجاوز العنوان إلى فكرة المفاضلة نفسها التي عرضها الفارابي أيضا في إحدى رسائله الأخرى ، إلا أن ابن حزم انتقل بالمفاضلة إلى مستوى جديد لم يهتم به الفارابي ، للفرق الأصيل بين توجّه الرجلين ؛ فأفضل العلوم لدى ابن حزم « ما أدّى إلى الخلاص

--> ( 1 ) رسائل ابن حزم ( ط / 1956 ) : 80 . ( 2 ) التقريب : 201 . ( 3 ) رسائل ابن حزم : 63 وما بعدها ؛ والرد على ابن النغريلة ورسائل أخرى لابن حزم : 160 . ( 4 ) الفهرست : 321 وقد جاء في فاتحة إحصاء العلوم : « مقالة في إحصاء العلوم ، كتاب أبي نصر محمد بن محمد الفارابي في مراتب العلوم » .