ابن حزم

24

رسائل ابن حزم الأندلسي

في دار الخلود ووصّل إلى الفوز في دار البقاء » « 1 » ، وذلك هو علم الشريعة ، إذ حقيقة العلم ما ينفع في الدار العاجلة والآجلة ؛ وليس معنى هذا أن العلوم الأخرى مطّرحة ، بل كل علم منها له فضل في ذاته وفضل في أنه درجة تصل بصاحبها إلى إتقان العلم الاسمي ؛ ولمّا كان الإنسان لا يستطيع أن يحيط بالعلوم كلها فإنه ينصح بأن يأخذ من كل علم بنصيب ، « ومقدار ذلك معرفته بأعراض ذلك العلم فقط . . . ثم يعتمد العلم الذي يسبق فيه بطبعه وبقلبه وبحيلته فيستكثر منه ما أمكنه ، فربما كان ذلك منه في علمين أو ثلاثة أو أكثر على قدر زكاء فهمه وقوة طبعه وحضور خاطره وإكبابه على الطلب . . . » « 2 » وهنا يعود ابن حزم ليقرر الحدّ الأدنى الصالح من كل علم ولكن على نحو متدرّج لكي يرسم برنامجا تربويا للدارس ، يوصله في النهاية إلى إتقان علم الشريعة ، وهذا هو المنهج الإسلامي الذي يضعه ابن حزم - عامدا فيما أظنّ - إزاء المنهج الأفلاطوني الذي تطلب فيه العلوم بالتدرج أيضا للبلوغ إلى مرحلة الديالكتيك ، كما يعرف كل من له إلمام بمنهجه التعليمي في كتاب الجمهورية . ولكن ما هي هذه العلوم التي يفترض في الدارس أن يعرفها ؟ هنا يفارق ابن حزم ذلك التعداد الذي أوصلها من قبل إلى أربعة عشر علما ، ليضع قاعدة جديدة في التصنيف لم يتنبه لها أحد سوى الفارابي على نحو عام ، وهي أن العلوم عند كل أمة وفي كل زمان ومكان سبعة : ثلاثة علوم تتميز بها أمة عن أخرى وهي علم شريعتها وعلم أخبارها وعلم لغتها ، وأربعة تتفق فيها الأمم وهي علم النجوم وعلم العدد وعلم الطب وعلم الفلسفة « 3 » ؛ إنّ العودة إلى سحر الرقم سبعة في هذه القسمة يجب أن لا يوقع في الوهم بأنها متناقضة مع القسمة الأولى إلى أربعة عشر ، لأن التدقيق يجعلنا نرى أن علوم الأوائل ( أو العلوم المشتركة بين الأمم ) كانت بحسب الإحصاء الأول أربعة ، وهي كذلك في الإحصاء الثاني بفرق واحد وهو وضع الفلسفة في موضع المنطق لأنها أعمّ في الدّلالة ؛ أما العلوم الخاصة بكل أمة على حدة فإنّ ما عدّ في الإحصاء الأول هو تفريعاتها ؛ فعلم الشريعة يساوي في الإحصاء الأول : علم القرآن . الحديث . المذاهب . الفتيا ( مع وضع لفظتي الكلام والفقه موضع المذاهب والفتيا ) ؛ وعلم اللغة يساوي اللغة . النحو . الشعر ؛ وعلم الخبر على حاله في كليهما ؛ ثم هناك علمان في

--> ( 1 ) رسائل ابن حزم : 62 . ( 2 ) رسائل ابن حزم : 73 . ( 3 ) رسائل ابن حزم : 78 .