ابن حزم
204
رسائل ابن حزم الأندلسي
وإذا أتاك خصمك بمقدمة مهملة فقرّر معه معناها : العموم « 1 » أراد أو « 2 » الخصوص ، أي على الكل يحملها أو « 3 » على بعض ما يقتضيه اللفظ الذي تكلم به ، وتحفّظ من إهمال هذا الباب ، وإذا قضيت قضية فنفاها خصمك فتأمّل فإن كان ما أوجبت ونفى هو من ذوات الوسائط فحقّق عليه في أن يبين ما أراد كقولك : زيد أبيض ، فيقول هو : ليس زيد بأبيض ، فإنه لا يلزمه بهذا القول أن يكون زيد أسود ، ولعله أراد أنه أحمر أو أصفر . ومثال هذا في الشرائع أن تقول : أمر كذا حرام فيقول خصمك ليس بحرام أو تقول أمر كذا واجب ، فيقول خصمك : ليس بواجب ، فإنه في قوله ليس بحرام ليس يلزمه أنه واجب ولا في قوله إنه ليس واجبا أنه حرام ، بل لعله أراد أنه مباح فقط . وأما غير ذوات الوسائط فلا تبال « 4 » عن هذا لأنك إن قلت : زيد حي فقال خصمك : هو غير حي فقد أوجب أنه ميت ضرورة ، ولا واسطة « 5 » هاهنا ، وقد لزمه القول بموته « 6 » فانظر أنه قد يكون معنى النفي بلفظ الإيجاب إلا أن ذلك ليس شرطا عاما تثق النفس به بل هو في مكان دون مكان لأنك تقول : فلان ميت فيقول خصمك : فلان يكتب أو فلان حيّ فهذا معنى صحيح في نفي الموت ولكن لا تثق بهذا ؛ فإنك إذا قلت : فلان متكئ فيقول خصمك : فلان جالس فقد تكونان معا كاذبين بأن يكون المخبر عنه قائما ، وحقيقة النفي هو ما صدق أحدهما وكذب الآخر ، فإذا أردت حقيقة النفي ورفع الإشكال فلا بد من أحد حروف النفي التي قدمنا ذكرها فتأمن من « 7 » الغلط ، ولهذا قال المتقدمون : إن لكل موجبة سالبة واحدة ، ولكل سالبة موجبة واحدة ، أي أن ذلك لا يكون إلا بإدخال حرف النفي فقط ، واللّه أعلم بالصواب .
--> ( 1 ) زاد في هامش س « هل » قبل لفظة « العموم » . ( 2 ) م : أم . ( 3 ) م : أم . ( 4 ) س : تبالي . ( 5 ) م : وسط . ( 6 ) س : وقد لزمه الموت بقوله . ( 7 ) من : سقطت من م .