ابن حزم

202

رسائل ابن حزم الأندلسي

وليس واحد من الخيل ناطقا ، وليس شيء من النطق في هذا الفرس . والنفي الجزئي ، وهو نفيك الصفة عن بعض النوع لا عن كله ، تنطق به بلفظ جزئي وبلفظ كلي [ . . . ] « 1 » ومعنى هذين اللفظين واحد لا اختلاف فيه ، أحدهما ظاهره العموم والثاني ظاهره الخصوص . والإيجاب الكلي وهو إثباتك الصفة لجميع النوع لا يكون إلا بلفظ كلي إما بسور كما قدمنا ، وإما مهمل يقصد به العموم كقولك : كل إنسان حي ، أو كقولك : جميع الناس أحياء ، أو تقول : الإنسان حي ، وأنت لا تريد شخصا واحدا بعينه ، أو تقول : الناس أحياء وأنت لا تريد بعضا منهم . والإيجاب الجزئي وهو إثباتك الصفة لبعض النوع لا يكون أصلا إلا بلفظ جزئي كقولك : بعض الناس كتاب ، فافهم هذه الرتب وتثبت فيها . وقد قال [ 40 ظ ] بعض المتقدمين إن القائل إذا أتى بقضية مهملة فقال : الإنسان كاتب ، انّ الأسبق إلى النفس أن مراده بذلك بعض النوع لا كله . وأما نحن فنقول : إن هذا القول غير صحيح وإن هذه المهملات يعني الألفاظ التي تأتي في اللغة : مرة للنوع كله ، ومرة للشخص الواحد ، ومرة لجماعة من النوع ، فإنها إن لم يبيّن المتكلم بها أنه أراد شخصا واحدا من النوع ، أو بعض النوع دون بعض ، أو لم يقم على ذلك برهان ضروري ، أو مقبول ، أو متفق عليه من الخصمين ، فلا يجوز أن تحمل على عموم النوع كله لأن الألفاظ إنما وضعت للإفهام لا للتلبيس . وكل لفظة فمعبرة عن معانيها ومقتضية لكل ما يفهم منها ، ولا يجوز أن يكلف المخاطب فهم بعض ما تقتضيه اللفظة « 2 » دون بعض ، إذ ليس ذلك في قوة الطبيعة البتة ، بل هذا من الممتنع الذي لا سبيل إليه ومن باب التكهن ، إلا باتفاق منهما أو ببيان زائد ، وإلا فهي سفسطة وشغب وتطويل بما لا يفيد ولا يحقق معنى .

--> ( 1 ) زاد في س : لأنك تقول [ ليس ] بعض الناس كاتبا ؛ وهو كلام ناقص ، ولا وجود له في م ؛ وهو نقص لم تسعف النسختان على استكماله . ( 2 ) س : يقتضيه اللفظ .