ابن حزم
155
رسائل ابن حزم الأندلسي
كثير من الكيفيات ؛ وإنما ذلك منها فيما كانت له وسائط بين ضدين ، وكانت تقبل المزاج ومداخلة بعضها بعضا لا في كل كيفية على ما نبين في باب الكلام في التقابل إن شاء اللّه عزّ وجل . وأما استواء أشخاصها تحت النوع الجامع لها وتحت « 1 » الجنس فلا يجوز أن يقع في شيء من ذلك تفاوت ولا تفاضل ، ولا يجوز أن يقع في شيء من ذلك « 2 » أشد ولا أضعف ، ولا [ 23 ظ ] يجوز أن نقول : لون أشد لونية من لون آخر ، أي في أن كل واحد منهما لون ؛ ولسنا نعني بذلك الإشراق أو الانكسار ، وكذلك لا يكون صدق أصدق من صدق آخر ولا كذب أكذب من كذب آخر وإنما يتفاضل هذا في الإثم والاستنشناع فقط ، وإلا فكذب المزاح كذب بحت ، والكذب على الخالق عزّ وجل كذب بحت ، وكذلك المحال كذب بحت « 3 » متساو كل ذلك في أنه كذب استواء صحيحا ، لا تفاضل فيه ، ولا أشد ولا أضعف ، لكن بعضها أعظم إثما وأقبح في الشناعة من بعض . وكذلك لا يكون علم بشيء أصح من علم آخر بشيء آخر ، ولا جهل بشيء أكثر من جهل بشيء آخر ، ولا أشد ولا أضعف . فإن دخلت وسيطة الشك في شيء من ذلك ، خرجت تلك الكيفية من أن تكون علما جملة واحدة ، ولم يقع ذلك الظن تحت نوع العلم . وكذلك لا يكون سواد أشد من سواد آخر إلا وقد داخل « 4 » أحد السوادين بياض شابه أو حمرة أو خضرة أو صفرة . وكذلك لا تكون سرعة أشد من سرعة إلا وقد داخل إحداهما توقف في خلال الحركة . وهكذا كل ما يقال فيه أشد وأضعف ، فتأمل هذا بعقلك تجده صحيحا يقينا لا محيد لك عنه أصلا . وأما الخاصة التي تخص جميع الكيفيات ولا « 5 » تخلو منها كيفية أصلا فهي شبيه ولا شبيه ، فإنك تقول هذا الصدق شبيه بهذا الصدق ، وهذا الكذب غير شبيه
--> ( 1 ) س : تحت . ( 2 ) تفاوت . . . ذلك : سقط من س . ( 3 ) كذب المحال وقع في م قبل الكذب على الخالق . ( 4 ) س : دخل . ( 5 ) م : فلا .