ابن حزم

13

رسائل ابن حزم الأندلسي

في علم شيء بتّة من العلوم الإنسانية التي تتمّ بطلب وتكلف البشر وحيلهم . . . » « 1 » ثم يمضي في المقارنة بين علم الفيلسوف وعلم الرّسل صلوات اللّه عليهم ، فهذا الثاني يكون « بلا طلب ولا تكلف ولا بحث ولا بجبلة بالرياضات والمنطق ولا بزمان » « 2 » ؛ ترى هل يعدّ الكندي العلوم المنبثقة عما جاء به الرسل من فقه وحديث وغير ذلك - وهي جهد إنساني يتمّ بطلب البشر وتكلفهم - من ضمن العلوم الإنسية ، أو يلحقها بمصدرها الأول اتباعا ؟ ذلك ما لا تبينه رسالته في كمية كتب أرسطاطاليس التي تنبئ عن معرفة واضحة لتصنيف العلوم حسب النموذج الفلسفي المذكور ، وإن كان الإحساس بالثنائية متوافرا لديه « 3 » . وذلك الإحساس نفسه هو الذي كان يشعر به الفارابي ( 339 / 950 ) وهو يحاول إحصاء العلوم ؛ غير أنه بدلا من أن يجعل العلوم في قسمين : دينية ودنيوية ، اختطّ لنفسه منهجا جديدا يمكن أن يوصف بالتفرد ، فقد أبرز في البداية قيمة علمين قد يعدهما غيره آلتين للعلوم وهما علم اللسان وعلم المنطق ، والثاني منهما عند أرسطاطاليس آلة ( وكذلك عند ابن سينا ) ، وغايته من ذلك حصر الأساسين الكبيرين اللذين تنبني عليهما العلوم جملة ، وما كان ليتجاهل أن هذين الأساسين بتفريعاتهما المختلفة قد أصبحا - وخاصة علم اللسان - علوما جمة ؛ فعلم اللسان يشمل علم الألفاظ المفردة وعلم الألفاظ المركّبة وعلم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة وعلم قوانينها عندما تكون مركبة وقوانين تصحيح الكتابة وقوانين تصحيح القراءة وقوانين تصحيح الأشعار « 4 » : سبعة علوم في مجموعها عند كل أمة تمثل « الأوليات » التعبيرية وصورها المختلفة ؛ فهي - على أنها علم أو علوم - تمثل في سياق العلوم الأخرى ما تمثله الأبجدية في الكتابة ، وأما صناعة المنطق فإنها تعطي بالجملة « القوانين التي شأنها أن تقوّم العقل وتسدّد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات ، والقوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل والغلط في المعقولات ، والقوانين التي يمتحن بها

--> ( 1 ) رسائل الكندي الفلسفية 1 : 372 . ( 2 ) المصدر السابق 1 : 373 . ( 3 ) لا يتحدث الكندي في رسالته المشار إليها عن تفرعات العلوم الدينية ، وإنما يتحدث عن تفرعات الفلسفة فهي تنقسم قسمين : علوم هي آلة كالمنطق والرياضيات ( من عدد وهندسة وتنجيم وموسيقى ) وعلوم تطلب لذاتها على المستويين النظري ( كالطبيعيات وعلم النفس والمتافيزيقا ) والعملي ( كالأخلاق والسياسة ) . ( 4 ) إحصاء العلوم : 46 - 47 .