الشيخ محمد عبده
74
رسالة التوحيد
هذه الحاجة - خصوصا في الأمة التي حققت عنوانها - لها صلات وعلائق ميزتها عما سواها : حاجة في البقاء ، حاجة في التمتع بمزايا الحياة ، حاجة في جلب الرغائب ودفع المكاره من كل نوع . لو جرى أمر الإنسان على أساليب الخلقة في غيره ، لكانت هذه الحاجة من أفضل عوامل المحبة بين أفراده ، عامل يشعر كل نفس أن بقاءها مرتبط ببقاء الكل ، فالكل منها بمنزلة بعض قواها المسخرة لمنافعها ودرء مضارها والمحبة عماد السلم ورسول السكينة إلى القلوب ، هي الدافع لكل من المتحابين على العمل لمصلحة الآخر ، الناهض بكل منهما للمدافعة عنه في حالة الخطر ؛ فكان من شأن المحبة أن تكون حفاظا لنظام الأمم وروحا لبقائها ، وكان من حالها أن تكون ملازمة للحاجة على مقتضى سنة الكون ؛ فإن المحبة حاجة لنفسك إلى من تحب أو ما تحب ، فإن اشتدت كانت ولعا وعشقا . لكن كان من قوانين المحبة أن تنشأ وتدوم بين متحابين إذا كانت الحاجة إلى ذات المحبوب أو ما هو فيها لا يفارقها ، ولا يكون هذا النوع منها في الإنسان إلا إذا كان منشؤه أمرا في روح المحبوب وشمائله التي لا تفارق ذاته ، حتى تكون لذة الوصول في نفس الاتصال لا في عارض يتبعه فإذا عرض التبادل والتعارض ولوحظ في العلاقة بينهما ، تحولت المحبة إلى رغبة في الانتفاع بالعوض ، وتعلقت بالمنتفع به لا بمصدر الانتفاع وقام بين الشخصين مقام المحبة إما سلطان القوة أو ذلة المخافة ، أو الدهان والخديعة من الجانبين . يحب الكلب سيده ويخلص له ويدافع عنه دفاع المستميت لما يرى أنه مصدر الإحسان إليه في سداد عوزه ، فصورة شبعه وريه وحمايته مقرونة في شعوره بصورة من يكفلها له ، فهو يتوقع فقدها بفقده ، فيحرص عليه حرصه على حياته ، ولو أنه انتقل من حوزته إلى حوزة آخر ، وغاب عنه السنين ثم رآه معرضا لخطر ما ، عادت إليه تلك الصورة يصل بعضها بعضا واندفع إلى خلاصه بما تمكنه القوة .