الشيخ محمد عبده
75
رسالة التوحيد
ذلك لأن الإلهام الّذي هدى به شعور الكلب ليس مما تتسع به المذاهب ، فوجدانه يتردد بين الإحسان ومصدره وليس له وراءهما مذهب ، فحاجته في سد عوزه هي حاجته إلى القائم بأمره ، فيحبه محبته لنفسه ، ولا يبخس منها شوب التعاوض في الخدمة . أما الإنسان . وما أدراك ما هو - فليس أمره على ذلك ليس ممن يلهم ولا يتعلم ، ولا ممن يشعر ولا يتفكر ، بل كان كماله النوعي في إطلاق مداركه عن القيد ، ومطالبه عن النهايات ، وتسليمه على صغره إلى العالم الأكبر على جلالته وعظمه ، يصارعه بعوامله وهي غير محصورة ، حتى يعتصر منه منافعه وهي غير محدودة ، وإبداعه من قوى الإدراك والعمل ما يعينه على المغالبة ، ويمكنه من المطالبة بسعيه ورأيه ، ويتبع ذلك أن يكون له في كل كائن مما يصل إليه لذة ، وبجوار كل لذة ألم ومخافة ، فلا تنتهى رغائبه إلى غاية ، ولا تقف مخاوفه عند نهاية ( 70 : 19 إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 20 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 21 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ) . تفاوتت أفراده في مواهب الفهم وفي قوى العمل وفي الهمة والعزم ، فمنهم المقصر ضعفا أو كسلا ، المتطاول في الرغبة شهوة وطمعا ، يرى في أخيه أنه العون له على ما يريد من شؤون وجوده ، لكنه يذهب من ذلك إلى تخيل اللذة في الاستئثار بجميع ما في يده ، ولا يقنع بمعاوضته في ثمرة من ثمار عمله ، وقد يجد اللذة في أن يتمتع ولا يعمل ، ويرى الخير في أن يقيم مقام العمل ، إعمال الفكر في استنباط ضروب الحيل ، ليتمتع وإن لم ينفع ، ويغلب عليه ذلك حتى يخيل له أن لا ضمير عليه لو انفرد بالوجود عمن يطلب مغالبته ، ولا يبالي بإرساله إلى عالم العدم بعد سلبه ، فكلما حثه الذكر والخيال إلى دفع مخافة أو الوصول إلى لذيذ فتح له الفكر بابا من الحيلة ، أو هيأ له وسيلة لاستعمال القوة ، فقام التناهب مقام التواهب ، وحل الشقاق محل الوفاق ، وصار الضابط لسيرة الإنسان إما الحيلة وإما القهر . هل وقف الهوى بالإنسان عند التنافس في اللذائذ الجسدانية وتجالد أفراده طمعا في وصول كل إلى ما يظنه غاية مطلبه وإن لم تكن له غاية ؟ كلا ! ولكن