الشيخ محمد عبده
73
رسالة التوحيد
المسلك الثاني في بيان الحاجة إلى الرسالة يؤخذ من طبيعة الإنسان نفسه أرتنا الأيام غابرها وحاضرها أن من الناس من يختزل نفسه من جماعة البشر وينقطع إلى بعض الغابات أو إلى رؤوس الجبال ، ويستأنس إلى الوحش ويعيش عيش الأوابد من الحيوان ، يتغذى بالأعشاب وجذور النبات ، ويأوى إلى الكهوف والمغاور ، ويتقى بعض العوادى عليه بالصخور والأشجار ، ويكتفى من الثياب بما يخصف من ورق الشجر أو جلود الهالك من حيوان البر ، ولا يزال كذلك حتى يفارق الدنيا . ولكن مثل هذا مثل النحلة تنفرد عن الدبر 87 وتعيش عيشة لا تتفق مع ما قدر لنوعها ، وإنما الإنسان نوع من تلك الأنواع التي غرز في طبعها أن تعيش مجتمعة وإن تعددت فيها الجماعات ، على أن يكون لكل واحد من الجماعة عمل يعود على المجموع في بقائه ، وللمجموع من العمل ما لا غنى للواحد عنه في نمائه وبقائه ، وأودع في كل شخص من أشخاصها شعور ما بحاجة إلى سائر أفراد الجماعة التي يشملها اسم واحد وتاريخ وجود الإنسان شاهد بذلك فلا حاجة إلى الإطالة في بيانه . وكفاك من الدليل على أن الإنسان لا يعيش إلا في جملة ما وهبه من قوة النطق ، فلم يخلق لسانه مستعدا لتصوير المعاني في الألفاظ وتأليف العبارات إلا لاشتداد الحاجة إلى التفاهم ، وليس الاضطرار إلى التفاهم بين اثنين أو أكثر إلى الشهادة بأن لا غنى لأحدهم عن الآخر . حاجة كل فرد من الجماعة إلى سائرها مما لا يشتبه فيه ، وكلما كثرت مطالب الشخص في معيشته ازدادت به الحاجة إلى الأيدي العاملة ، فتشتد الحاجة ، وعلى أثرها الصلة من الأهل إلى العشيرة ، ثم إلى الأمة وإلى النوع بأسره . وأيامنا هذه شاهدة على أن الصلة التابعة للحاجة قد تعم النوع كما لا يخفى .