الشيخ محمد عبده
72
رسالة التوحيد
الناس فيه ، ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة من العالمين . نهاية الشاهد ، وبداية الغائب ، فهم في الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها وهم وفد الآخرة في لباس من ليس من سكانها ، ثم يتلقون من أمره أن يحدثوا عن جلاله ، وما خفى عن العقول من شؤون حضرته الرفيعة بما يشاء أن يعتقده العباد فيه ، وما قدّر أن يكون له مدخل في سعادتهم الأخروية وأن يبينوا للناس من أحوال الآخرة ما لا بدّ لهم من علمه ، معبرين عنه بما تحمله طاقة عقولهم ، ولا يبعد عن متناول أفهامهم ، وأن يبلغوا عنه شرائع عامة تحدد لهم سيرهم في تقويم نفوسهم وكبح شهواتهم ، وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم ، في ذلك الكون المغيب من مشاعرهم بتفصيله اللاصق علمه بأعماق ضمائرهم في إجماله ، ويدخل في ذلك جميع الأحكام المتعلقة بكليات الأعمال ظاهرة وباطنة ، ثم يؤيدهم بما لا تبلغه قوى البشر من الآيات ، حتى تقوم بهم الحجة ، ويتم الإقناع بصدق الرسالة ، فيكونون بذلك رسلا من لدنه إلى خلقه مبشرين ومنذرين . لا ريب أن الّذي أحسن كل شيء خلقه ، وأبدع في كل كائن صنعه وجاد على كل حي بما إليه حاجته ولم يحرم من رحمته حقيرا ولا جليلا من خلقه ، يكون من رأفته بالنوع الّذي أجاد صنعه ، وأقام له من قبول العلم ما يقوم مقام المواهب التي اختص بها غيره ، أن ينقذه من حيرته ، ويخلصه من التخبط في أهم حياتيه ، والضلال في أفضل حاليه . يقول قائل : ولم لم يودع في الغرائز ما تحتاج إليه من العلم ، ولم يضع فيها الانقياد إلى العمل وسلوك الطريق المؤدية إلى الغاية في الحياة الأخرى ؟ وما هذا النحو من عجائب الرحمة في الهداية والتعليم ؟ وهو قول يصدر عن شطط العقل ، والغفلة عن موضوع البحث - وهو النوع الإنسانى - ذلك النوع على ما به ، وما دخل في تقويم جوهره من الروح المفكر ، وما اقتضاه ذلك من الاختلاف في مراتب الاستعداد باختلاف أفراده ، وأن لا يكون كل فرد منه مستعدا لكل حال بطبعه ، وأن يكون وضع وجوده على عماد البحث والاستدلال ، فلو ألهم حاجاته كما تلهم الحيوانات لم يكن هو ذلك النوع ؛ بل كان إما حيوانا آخر كالنحل والنمل ، أو ملكا من الملائكة ليس من سكان هذه الأرض .