الشيخ محمد عبده
63
رسالة التوحيد
وذلك المعين هو النبي النبوة تحدد ما ينبغي أن يلحظ في جانب واجب الوجود من الصفات وما يحتاج إليه البشر كافة من ذلك ، وتشير إلى خاصتهم بما يمكن لهم أن يفضلوا به غيرهم في مقدمات عرفانهم . لكنها لا تحتم إلا ما فيه الكفاية للعامة . فجاءت النبوات مطالبة بالاعتقاد بوجود الله وبوحدانيته ، والصفات التي أثبتناها على الوجه الّذي بيناه . وأرشدت إلى طرق الاستدلال على ذلك . فوجوب المعرفة على هذا الوجه المخصوص ، وحسن المعرفة وحظر الجهالة أو الجحود بشيء مما أوجبه الشرع في ذلك وقبحه ، مما لا يعرف إلا من طريق الشرع معرفة تطمئن بها النفس ، ولو استقل عقل بشرى بذلك لم يكن على الطريق المطلوب من الجزم واليقين والاقتناع الّذي هو عماد الطمأنينة ، فإن زيد على ذلك أن العرفان على ما بينه الشرع يستحق المثوبة المعينة فيه ، وضده يستحق العقوبة التي نص عليها - كانت طريق معرفة الوجوب شرعية محضة ، غير أن ذلك لا ينافي أن معرفة الله على هذه الصفة حسنة في نفسها ، وإنما جاء الشرع مبينا للواقع ، فهو ليس محدث الحسن ، ونصوصه تؤيد ذلك . وأذكر مثالا من كثير : قال تعالى على لسان يوسف ( 12 : 39 ) أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) ؟ يشير بذلك إشارة واضحة إلى أن تفرق الآلهة يفرق بين البشر في وجهة قلوبهم إلى أعظم سلطان يتخذونه فوق قوتهم ، وهو يذهب بكل فريق إلى التعصب لما وجه قلبه إليه ، وفي ذلك فساد نظامهم كما لا يخفى ، وأما اعتقاد جميعهم بإله واحد فهو توحيد لمنازع نفوسهم إلى سلطان واحد يخضع الجميع لحكمه ، وفي ذلك نظام إخوتهم ، وهي قاعدة سعادتهم ، وإليها