الشيخ محمد عبده
62
رسالة التوحيد
ثم من أحوال الحياة الأخرى ما لا يمكن لعقل بشرى أن يصل إليه وحده ، وهو تفصيل اللذائذ والآلام وطرق المحاسبة على الأعمال ولو بوجه ما . ومن الأعمال ما لا يمكن أن يعرف وجه الفائدة فيه 76 لا في هذه الحياة ولا فيما بعدها ، كصور بعض العبادات كما يرى في أعداد الركعات وبعض الأعمال في الحج في الديانة الإسلامية . وكبعض الاحتفالات في الديانة الموسوية 77 وضروب التوسل ، والزهادة في الديانة العيسوية - كل ذلك مما لا يمكن للعقل البشرى أن يستقل بمعرفة وجه الفائدة فيه . ويعلم الله أن فيه سعادة 78 . لهذا كله كان العقل الإنسانى محتاجا - في قيادة القوى الإدراكية والبدنية إلى ما هو خير له في الحياتين - إلى معين يستعين به في تحديد أحكام الأعمال ، وتعيين الوجه في الاعتقاد بصفات الألوهية ، ومعرفة ما ينبغي أن يعرف من أحوال الآخرة - وبالجملة في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة . ولا يكون لهذا المعين سلطان على نفسه ، حتى يكون من بنى جنسه ، ليفهم منه أو عنه ما يقول ، وحتى يكون ممتازا على سائر الأفراد بأمر فائق على ما عرف في العادة وما عرف في سنة الخليقة ، ويكون بذلك مبرهنا 79 على أنه يتكلم عن الله الّذي يعلم مصالح العباد على ما هي عليه ، ويعلم صفاته الكمالية وما ينبغي أن يعرف منها ، والحياة الآخرة وما أعد فيها ، فيكون الفهم عنه والثقة بأنه يتكلم عن العليم الخبير ، معينا للعقل على ضبط ما تشتت عليه أو درك ما ضعف عن إدراكه .