الشيخ محمد عبده
61
رسالة التوحيد
فلا يسهل عليه ولا على غيره الوصول إلى الراحة من أعمال المقترفين لمثل عمله . وخفيف من النظر في أعمال البشر يجليها جميعها على نحو ما بينا في المثالين . فلقوة الذاكرة وضعفها ، وحدة الخيال واعتداله ، واعوجاج الفكر واستقامته ، أعظم أثر في التمييز بين النافع والضار في أشخاص الأعمال ، وللأمزجة والجواء وما يحتف بالشخص من أهل وعشيرة ومعاشرين مدخل عظيم في التخيل والفكر بل وفي الذكر . فالناس متفقون على أن من الأعمال ما هو نافع ومنها ما هو ضار ، وبعبارة أخرى منها ما هو حسن ومنها ما هو قبيح ، ومن عقلائهم وأهل النظر الصحيح والمزاج المعتدل منهم من يمكنه إصابة وجه الحق في معرفة ذلك ، ومتفقون كذلك على أن الحسن ما كان أدوم فائدة وإن كان مؤلما في الحال ، وأن القبيح ما جرى إلى فساد في النظام الخاص بالشخص أو الشامل له ولمن يتصل به ، وإن عظمت لذته الحاضرة ، ولكنهم يختلفون في النظر إلى كل عمل بعينه اختلافهم في أمزجتهم وسحنهم ومناشئهم وجميع ما يكتنف بهم 74 . فلذلك ضربوا إلى الشر في كل وجه ، وكل يظن أنه إنما يطلب نافعا ويتقى ضارا . فالعقل البشرى وحده ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته في هذه الحياة . اللهم إلا في قليل ممن لم يعرفهم الزمن ، فإن كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم أشار إليهم الدهر بأصابع الأجيال . وقد سبقت الإشارة إليهم فيما مر . وليست عقول الناس سواء في معرفة الله تعالى ، ولا في معرفة حياة بعد هذه الحياة ، فهم وإن اتفقوا في الخضوع لقوة أسمى من قواهم ، وشعر معظمهم بيوم بعد هذا اليوم ، ولكن أفسدت الوثنية عقولهم ، وانحرفت بها عن مسلك السعادة - فليس في سعة العقل الإنسانى في الأفراد كافة أن يعرف من الله ما يجب أن يعرف ، ولا أن يفهم من الحياة الآخرة ما ينبغي أن يفهم ، ولا أن يقرر لكل نوع من الأعمال جزاءه في تلك الدار الآخرة ، وإنما قد تيسر ذلك لقليل ممن اختصهم الله بكمال العقل ونور البصيرة وإن لم ينل 75 شرف الاقتداء بهدى نبوي ، ولو بلغه لكان أسرع الناس إلى اتباعه . وهؤلاء ربما يصلون بأفكارهم إلى العرفان من وجه غير ما يليق في الحقيقة أن ينظر منه إلى الجلال الإلهي .