الشيخ محمد عبده

60

رسالة التوحيد

استعماله في سد عوزه وتوفير لذاته في أي حال ، وأن يختلف ظهور هذه المدارك في أطوارها وآثارها باختلاف أصنافه وشعوبا وأشخاصه اختلافا لا تنتهى درجاته ، ولولا هذا لما خالف بقية الحيوانات إلا باستقامة القامة ، وعرض الأظفار . وهب الله الإنسان أو سلط عليه ثلاث قوى لم يساوه فيها حيوان : الذاكرة ، والمخيلة ، والمفكرة ، فالذاكرة تثير من صور الماضي ما ستره الاشتغال بالحاضر ، فتستحضر من صور المرغوبات والمكروهات ما تنبه إليه الأشباه ، أو الأضداد الحاضرة ، فقد يذكر الشيء بشبهه ، وقد يذكر بضده كما هو بديهي . والخيال يجسم من المذكور وما يحيط به من الأحوال حتى يصير كأنه مشاهد ، ثم ينشئ له مثال لذة أو ألم في المستقبل يحاكى ما ذهب به الماضي ، ويهمز للنفس في طلبه أو الهرب منه . فتلجأ إلى الفكر في تدبير الوسيلة إليه . على هذه القوى الثلاث مستوى سعادة الإنسان ومنها ينبوع بلائه . فمن الناس معتدل الذكر هادي الخيال صحيح الفكر ، ينظر مثلا في حال مسرف أنفق ماله في غير نافع وضاقت يده عما يقيم معيشته فيذكر ألما لحاجة مضت ، ثم يتخيل المال ومنافعه وما تتمتع به النفس من اللذة به ، سواء في سد حاجاته أو في دفع الألم يحدثه مشهد الفاقة في غيره بإعطاء المضطر ما يذهب بضرورته ، ثم يتخيل ذلك المال آتيا من وجوهه التي لا يتعلق بها حق من حقوق غيره ، وعند ذلك يوجه فكره لطلب الوسيلة إليه من تلك الوجوه بالعمل القويم في استخدام ما وهبه الله من القوى في نفسه ، وما سخره له من قوى الكون المحيطة به . ومن الناس منحرف عن سنن الاعتدال ، يرى ما لا مثلا في يد غير فيتذكره لذة ماضية أصابها بمثل هذا المال ، ويعظم له الخيال لذة مثلها في المستقبل ، ولا يزال يعظم في تلك اللذة والتمتع بها حتى يقع ظل الخيال على طريق الفكر ، فيستر عنه ما طاب من وجوه الكسب ، وإنما يعمد إلى استعمال قوته أو حيلته في سلب المال من يد مالكه لينفقه فيما تخيل من المنفعة ، فيكون قد عطل بذلك قواه الموهوبة له ، وأخل بالأمن من الّذي أفاضه الله بين عباده ، وسن سنة الاعتداء ،