الشيخ محمد عبده
57
رسالة التوحيد
ومنها ما هو قبيح لما يعقبه من الألم ، وما هو حسن لما يجلب من اللذة أو دفع الألم ، فالأول : كالضرب والجرح ، وكل ما يؤلم من أفعال الإنسان . والثاني : كالأكل على جوع ، والشرب على عطش ، وكل ما يحصل لذة أو يدفع ألما مما لا يحصى عده . وفي هذا القسم يكون الحسن بمعنى ما يلذ ! والقبيح بمعنى المؤلم . وقلما يختلف تمييز الإنسان للحسن والقبيح من الأفعال بالمعنيين السابقين عن تمييز الحيوانات المرتقية في سلسلة الوجود ، اللهم إلا في قوة الوجدان وتحديد مرتبة الجمال والقبح . ومن الأفعال الاختيارية ما يحسن باعتبار ما يجلب من النفع وما يقبح بما يجر إليه من الضرر ، ويختص الإنسان بالتمييز بين الحسن والقبيح بهذا المعنى إذا أخذ من أكمل وجهاته ، وقلما يشاركه فيه حيوان آخر ، اللهم إلا من أحط جهاته ، وهو خاصة العقل ، وشر الحكمة الإلهية في هبة الفكر . فمن اللذيذ ما يقبح لشؤم عاقبته ، كالإفراط في تناول الطعام والشراب ، والانقطاع إلى سماع الأغانى والجرى في أعقاب الشهوات ، فإن ذلك مفسدة للصحة مضيعة للعقل متلفة للمال مدعاة للعجز والذل وإنما قبح اللذيذ في هذا الموضوع لقصر مدته وطول مدة ما يجر إليه عادة من الآلام التي ربما لا تنتهى إلا بالموت على أسوأ حالاته ، ولضعف النسبة بين متاع اللذة ومقاسات شدائد الألم . ومن المؤلم ما يحسن كتجشم مشاق التعب في الأعمال لكسب الرزق وتأمين النفس على حاجاتها في أوقات الضعف ، ومجاهدة الشهوات ومقاساة الحرمان من بعض اللذات حينا من الزمن ، ليتوفر للقوى البدنية والعقلية حظها من التمتع بما قدر لها من اللذائذ على وجه ثابت لا يخالطه اضطراب ، أو على نمط يخفف من رزايا الحياة إن عدت الحياة مثارا لها . ومن المؤلم الّذي عده العقل البشرى حسنا ، مقارعة الإنسان عدوه ، سواء كان من نوعه أو من غيره للمدافعة عن نفسه ، أو عن أنصاره ، ومنهم بنو أبيه ، أو قبيلته ، أو شعبه ، أو أمته - حسب ارتقائه في الإحساس - ومخاطرته ولو بحياته