الشيخ محمد عبده
58
رسالة التوحيد
في سبيل ذلك . كأنه يرى في بذل هذه الحياة أمنا على حياة أخرى تشعر بها نفسه . وإن لم يحددها عقله . ومنه معاناة التعب في كشف ما عمى عن علمه من حقائق الكون . كأنه لا يرى المشقة في ذلك شيئا بالقياس إلى ما يحصل من لذة الاطمئنان على الحق بقدر ماله من الاستطاعة . وعد من اللذيذ المستقبح مد اليد إلى ما كسبه الغير بسعيه ، واستشفاء ألم الحقد بإتلاف نفس المحقود عليه أو ماله ، لما في ذلك من جلب المخافة العامة حتى على ذات المتعدى ، ويمكنك من نفسك استحضار ما يتبع الوفاء بالعهود والعقود والغدر فيها . كل هذا عرفه العقل البشرى وفرق فيه بين الضار والنافع ، وسمى الأول فعل الشر والثاني عمل الخير ، وهذا التفريق هو منبت التمييز بين الفضيلة والرذيلة ، وقد حددهما النظر الفكري على تفاوت في الإجمال والتفصيل للتفاوت في درجات عقول الناظرين ، وناط بهما سعادة الإنسان وشقاءه في هذه الحياة ، كما ربط بهما نظام العمران البشرى وفساده ، وعزة الأمم وذلتها ، وضعفها وقوتها ، وإن كان المحددون لذلك والآخذون فيه بخط من الصواب هم العدد القليل من عقلاء البشر . كل هذا من الأوليات العقلية لم يختلف فيه ملى ولا فيلسوف ، فللأعمال الاختيارية حسن وقبح في نفسها أو باعتبار أثرها في الخاصة أو في العامة ، والحس أو العقل قادر على تمييز ما حسن منها وما قبح المعاني السابقة بدون توقف على سمع ، والشاهد على ذلك ما نراه في بعض أصناف الحيوان ، وما نشهده في أفاعيل الصبيان قبل تعقل ما معنى الشرع وما وصل إلينا من تاريخ الإنسان وما عرف عنه في جاهليته . ومما يحسن ذكره هنا ما شاهده بعض الناظرين في أحوال النمل ، قال : كانت جماعة من النمل تشتغل في بيت لها 71 فجاءت نملة كأنها القائمة بمراقبة العمل ، فرأت المشتغلات قد وضعت السقف على أقل من الارتفاع المناسب فأمرت بهدمه فهدم ، ورفع البنيان إلى الحد الموافق ، ووضع السقف على أرفع مما كان ،