الشيخ محمد عبده

56

رسالة التوحيد

هذا في المحسوسات واضح كما سبق ، ولعله لا ينزل عن تلك الدرجة في الوضوح ما يلم به العقل من الموجودات المعقولة وإن اختلف اعتبار الجمال فيها . فالكمال في المعقولات ، كالوجود الواجب والأرواح اللطيفة وصفات النفوس البشرية ، له جمال تشعر به أنفس عارفيه ، وتنبهر له بصائر لاحظيه . وللنقص قبح لا تنكره المدارك العالية وإن اختلف أثر الشعور ببعض أطواره في الوجدان عن أثر الإحساس بالقبيح في المحسوسات ، وهل في الناس من ينكر قبح النقص في العقل ، والسقوط في الهمة ، وضعف العزيمة ؟ ويكفى أن أرباب هذه النقائص المعنوية يجاهدون في إخفائها ، ويفخرون أحيانا بأنهم متصفون بأضدادها . وقد يجمل القبيح بجمال أثره ، ويقبح الجميل بقبح ما يقترن به ، فالمر قبيح مستبشع ، والملك الدميم المشوه الخلقة ينبو عنه النظر . لكن أثر المر في معالجة المرض ، وعدل الدميم في رعيته أو إحسانه إليك في خاصة نفسك ، يغير من حالتك النفسية عند حضور صورته ، فإن جمال الأثر يلقى على صاحبه أشعة من بهائه فلا يشعر الوجدان منه إلا بالجميل ، ومثل ذلك يقال في قبح الحلو إذا أضر ، واشمئزاز النفس من الجميل إذا ظلم وأصر . هل يمكن لعاقل أن لا يقول في الأفعال الاختيارية ، كما قال في الموجودات الكونية ، مع أنها نوع منها ، وتقع تحت حواسنا ومداركنا العقلية إما بنفسها وإما بأثرها ، وتنفعل نفوسنا بما يلم بها منها كما تنفعل بما يرد عليها من صور الكائنات ؟ كلا ، بل هي تقسم من الموجودات ، حكمها في ذلك حكم سائرها بالبداهة . فمن الأفعال الاختيارية ما هو معجب في نفسه ، تجد النفس منه ما تجد من جمال الخلق كالحركات العسكرية المنتظمة وتقلب المهرة من اللاعبين في الألاعيب المعروفة اليوم « بالجمناستيك » وكإيقاع النغمات على القوانين الموسيقية من العارف بها ، ومنها ما هو قبيح في نفسه يحس منه ما يحس من رؤية الخلق المشوّه ، كتخبط ضعفاء النفوس عند الجزع ، وكولولة النائحات ونقع المذعورين 70 .