الشيخ محمد عبده

55

رسالة التوحيد

حسن الأفعال وقبحها الأفعال الإنسانية الاختيارية لا تخرج عن أن تكون من الأكوان الواقعة تحت مداركنا ، وما تنفعل به نفوسنا عند الإحساس بها أو استحضار صورها يشابه كل المشابهة ما تنفعل به عند وقوع بعض الكائنات تحت حواسها أو حضورها في مخيلاتنا - وذلك بديهي لا يحتاج إلى دليل . نجد في أنفسنا بالضرورة تمييزا بين الجميل من الأشياء والقبيح منها ، فإن اختلفت مشارب الرجال في فهم جمال النساء ، أو مشارب النساء في معنى جمال الرجال فلم يختلف أحد في جمال ألوان الأزهار وتنضيد أوراق النباتات والأشجار ، خصوصا إذا كانت أوضاع الزهر على أشكال تمثل الائتلاف والتناسب بين تلك الألوان بعضها مع بعض - ولا في قبح الصورة الممثل بها بتهشيم بعض أجزائها وانقطاع البعض الآخر على غير نظام ، وانفعال أنفسنا من الجميل بهجة أو إعجابا ، ومن القبيح اشمئزازا أو جزعا ، وكما يقع هذا التمييز في المبصرات ، يقع في غيرها من المسموعات والملموسات والمذوقات والمشمومات ، كما هو معروف لكل حساس من بني آدم بإحدى تلك الحواس . ليس هذا موضع تحديد ما هو الجمال وما هو القبح في الأشياء ، ولكن لا يخالفنا أحد في أن من خواص الإنسان بل وبعض الحيوان التمييز بينهما ، وعلى هذا التمييز قامت الصناعات على اختلاف أنواعها ، وبه ارتقى العمران في أطواره إلى الحد الّذي نراه عليه الآن ، وإن اختلفت الأذواق - ففي الأشياء جمال وقبح .