الشيخ محمد عبده
53
رسالة التوحيد
هذا وإن لإيحاء كلامه تعالى إلى الملائكة صورة روحية غير الصورة التي يوحيها الملك للرسول من البشر ، والرسول يبلغها للناس بصورة أخرى هي كلامهم اللفظي ، والمعنى للكل الّذي هو العلم ، الّذي أراد الله تعالى إظهارهم عليه واحد لا يتغير باختلاف صوره ولا يصح أن يعزى إلى غيره ، فالشاعر الّذي علم أن كل شيء ما خلا الله باطل ( لأنه لا وجود له ولا بقاء بذاته لذاته ) وأن كل نعيم في الدنيا زائل ، وتمثل له هذا المعنى بقوله : ألا كل شيء ما خلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل وقد نطق بهذا البيت بلفظه ، بعد أن تمثل في نفسه ، ثم تناقله عنه الناس بألسنتهم وخطوطهم قرنا بعد قرن ، وكلهم يعزونه إليه وأنه من كلامه ، وأن النطق به وكتابته الآن لا ينفى أنه كلام له قبل منذ بضعة عشر قرنا . فهذا أوضح مثال لكون القرآن كلام الله الّذي أوحاه إلى سيدنا محمد رسوله صلى الله عليه وسلم صادرا عن كلامه النفسي ، وأن حدوث الوحي به قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة وتلاوته بالألسنة وكتابته وطبعه في المصاحف قرنا بعد قرن لا ينافي كونه هو كلامه وأنه قديم بقدمه ، على أن السلف لم يقولوا إنه قديم ؛ لأن نص الشارع لم يرد به . وقد أغلظوا النكير على من قالوا إنه مخلوق وحادث بشبهة حدوث إيحائه وتنزيله وتلاوته ؛ لأن الحامل لهم عليه إنكار صفات الله تعالى جملة وتفصيلا بشبهة استلزام إثباتها لتعدد القدماء ، وهي نظرية فلسفية مخترعة باطلة وضعوها وحكوها في صفات الله تعالى وكلامه المنزل غلوا في التنزيه انتهى بهم إلى جعله عز وجل ماهية خيالية سلبية فاقدة لكل صفات الوجود ، وكذا نظرية امتناع قيام الحادث بالقديم . وإنما التنزيه الصحيح أنه تعالى موجود متصف بجميع صفات الكمال الوجودية ومنها الكلام والتكليم ، بغير تعطيل ولا تمثيل . وقد اهتدى البشر إلى بيان ما في أنفسهم من الكلام لمن يريدون إعلامه بمعناه بطريقة سريعة خفية يكلم بها المرء غيره وهو يبعد عنه ألوفا من الأميال بلا صوت ، وذلك ما يعرف بالتلغراف السلكى واللاسلكى ، وما يؤدى به يسمى كلاما أيضا ، فهذا أظهر مثال يضرب للوحي ، وتنزيه كلام الله عن مشابهة كلام الخلق ، ثم اهتدوا إلى اختراع آلة أخرى تنقل الأصوات والكلام من قطر إلى قطر وإن بعدت المسافات سموها « الراديو » وسميناها « المذياع » . وقد حذفنا من هذا الموضع نحو صفحة من الرسالة في مسألة الخلاف في خلق القرآن عملا بأمر المؤلف . إذ كتب بخطه في طرة نسخته ما نصه : « في الطبعة الثانية يحذف القول في خلق القرآن » وبين لنا السبب في ذلك في الدرس ، فقال : إنه التزم في الرسالة مذهب السلف وهذه المسألة من البدع التي ليست من مذهبهم . وكان الّذي ذكره بذلك الشيخ محمود الشنقيطي رحمه الله تعالى . فأذعن وذكر ذلك في الدرس . وقد نوهنا بذلك في مقالة للمنار عنوانها « سجايا العلماء » وما شرحناه تصوير للحقيقة المثبتة لمذهب السلف الداحضة لبدعة المعتزلة بما يقبله العقل والوجدان السليمان ولله الحمد . ( 57 ) وكذلك علمه تعالى ليس بآلة الدماغ ولا بوجدان القلب . ( 58 ) الحديث ورد بألفاظ يتفق معناها . قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : رواه أبو نعيم في الحلية بالمرفوع منه بإسناد ضعيف . ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من وجه آخر أصح منه . ورواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب من حديث ابن عمر وقال هذا إسناد فيه نظر . قلت فيه الوازع بن نافع متروك ا . ه . زاد الزبيدي في الشرح : قلت حديث ابن