الشيخ محمد عبده
50
رسالة التوحيد
وتقشعت به حيرتهم ولكن قليل ما هم - على أن ذلك نور يقذفه الله في قلب من شاء ، ويخص به أهل الولاية والصفاء . وكثر ما ضل قوم وأضلوا وكان لمقالتهم أسوأ الأثر فيما عليه حال الأمة اليوم 69 . لو شئت لقربت البعيد ، فقلت : إن من بالغ الحكم في الكون أن تتنوع الأنواع على ما هي عليه في البيان ، ولا يكون النوع ممتازا عن غيره حتى تلزمه خواصه ، وكذا الحال في تميز الأشخاص ، فواهب الوجود يهب الأنواع والأشخاص وجودها على ما هي عليه ، ثم كل وجود متى حصل كانت له توابعه ، ومن تلك الأنواع الإنسان ، ومن مميزاته - حتى يكون غير سائر الحيوانات - أن يكون مفكرا مختارا في عمله على مقتضى فكره ، فوجوده الموهوب مستتبع لمميزاته هذه . ولو سلب شيء منها لكان إمّا ملكا أو حيوانا آخر . والفرض أنه الإنسان ، فهبة الوجود له لا شيء فيها من القهر على العمل ، ثم علم الواجب محيط بما يقع من الإنسان بإرادته وبأن عمل كذا يصدر في وقت كذا وهو خير يثاب عليه ، وأن عملا آخر شر يعاقب عليه عقاب الشر والأعمال في جميع الأحوال حاصلة عن الكسب والاختيار ، فلا شيء في العلم بسالب للتخيير في الكسب ، وكون ما في العلم يقع لا محالة إنما جاء من حيث هو الواقع والواقع لا يتبدل . ولنا في علومنا الكونية أقرب الأمثال : شخص من أهل العناد يعلم علم اليقين أن عصيانه لأميره باختياره يحل به عقوبته لا محالة ، لكنه مع ذلك يعمل العمل ويستقبل العقوبة وليس لشيء من علمه وانطباقه على الواقع أدنى أثر في اختياره لا بالمنع ولا بالإلزام . فانكشاف الواقع للعالم لا يصح في نظر العقل ملزما ولا مانعا . وإنما يريك الوهم تغيير العبارات وتشعب الألفاظ . ولو شئت لزدت في بيان ذلك ورجوت أن لا يبعد عن عقل ألف النظر الصحيح ولم تفسد فطرته بالمماحكات اللفظية ، لكن يمنعني عن الإطالة فيه عدم الحاجة إليه في صحة الإيمان ، وتقاصر عقول العامة عن إدراك الأمر في ذاته مهما بالغ المعبر في الإيضاح عنه ، والتياث قلوب الجمهور من الخاصة بمرض التقليد ، فهم يعتقدون الأمر ثم يطلبون الدليل عليه ولا يريدونه إلا موافقا لما يعتقدون ، فإن جاءهم بما يخالف ما اعتقدوا نبذوه ولجوا في مقاومته ، وإن