الشيخ محمد عبده

49

رسالة التوحيد

لشيء من الأشياء سلطانا على ما خرج عن قدرة المخلوقين ، وهو اعتقاد من يعظم سوى الله مستعينا به فيما لا يقدر العبد عليه - كالاستنصار في الحرب بغير قوة الجيوش ، والاستشفاء من الأمراض بغير الأدوية التي هدانا الله إليها ، والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطريق والسنن التي شرعها الله لنا . هذا هو الشرك الّذي كان عليه الوثنيون ومن ماثلهم ، فجاءت الشريعة الإسلامية بمحوه ، ورد الأمر فيما فوق القدرة البشرية والأسباب الكونية إلى الله وحده ، وتقرير أمرين عظيمين هما ركنا السعادة وقوام الأعمال البشرية ( الأول ) أن العبد يكسب بإرادته وقدرته ، ما هو وسيلة لسعادته ( والثاني ) أن قدرة الله هي مرجع لجميع الكائنات ، وأن من آثارها ما يحول بين العبد وبين إنفاذ ما يريده ، وأن لا شيء سوى الله يمكن له أن يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه . جاءت الشريعة لتقرير ذلك وتحريم أن يستعين العبد بأحد غير خالقه في توفيقه إلى إتمام عمله بعد إحكام البصيرة فيه ، وتكليفه أن يرفع همته إلى استمداد العون منه وحده بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الفكر وإجادة العمل . ولا يسمح العقل ولا الدين لأحد أن يذهب إلى غير ذلك . وهذا الّذي قررناه قد اهتدى إليه سلف الأمة ، فقاموا من الأعمال بما عجبت له الأمم ، وعول عليه - من متأخري أهل النظر - إمام الحرمين الجويني 68 رحمه الله - وإن أنكر عليه بعض من لم يفهمه . أكرر القول بأن الإيمان بوحدانية الله لا يقتضي من المكلف إلا اعتقاده أن الله صرفه في قواه : فهو كاسب لإيمانه ولما كلفه الله به من بقية الأعمال ، واعتقادا أن قدرة الله فوق قدرته ، ولها وحدها السلطان الأعلى في إتمام مراد العبد بإزالة الموانع أو تهيئة الأسباب المتممة ، مما لا يعلمه ولا يدخل تحت إرادته . وأما التطلع إلى ما هو أغمض من ذلك فليس من مقتضى الإيمان كما بينا ، وإنما هو من شره العقول في طلب رفع الأستار عن الأسرار . ولا أنكر أن قوما قد وصلوا بقوة العلم والمثابرة على مجاهدة المدارك إلى ما اطمأنت به نفوسهم رسالة التوحيد -