الشيخ محمد عبده
48
رسالة التوحيد
لمناضلته ، وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك إن لم يكن لتقصيره أو لمنافسة غيره دخل فيما لقى من مصير عمله ، كأن هب ريح فأغرق 67 بضاعته ، أو نزلت صاعقة فأحرقت ماشيته . أو علق أمله بمعين فمات ، أو بذى منصب فعزل . يتجه من ذلك إلى أن في الكون قوة أسمى من أن تحيط بها قدرته ، وأن وراء تدبيره سلطانا لا تصل إليه سلطته ، فإن كان قد هداه البرهان وتقويم الدليل إلى أن حوادث الكون بأسره مستندة إلى واجب وجود واحد يصرفه على مقتضى علمه وإرادته ، خشع وخضع ، ورد الأمر إليه فيما لقى ، ولكن مع ذلك لا ينسى نصيبه فيما بقي ، فالمؤمن كما يشهد بالدليل وبالعيان أن قدرة مكون الكائنات أسمى من قوى الممكنات ، يشهد بالبداهة أنه في أعماله الاختيارية - عقلية كانت أو جسمانية قائم بتصريف ما وهب الله له من المدارك والقوى فيما خلقت لأجله ، وقد عرّف القوم شكر الله على نعمه فقالوا : هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله . على هذا قامت الشرائع ، وبه استقامت التكاليف . ومن أنكر شيئا منه قد أنكر مكان الإيمان من نفسه ، وهو عقله الّذي شرفه الله بالخطاب في أوامره ونواهيه . أما البحث فيما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل من إحاطة علم الله وإرادته ، وبين ما تشهد به البداهة من عمل المختار ، فيما وقع عليه الاختيار ، فهو من طلب سر القدر الّذي نهينا عن الخوض فيه ، واشتغال بما لا تكاد تصل العقول إليه ، وقد خاض فيه الغالون من كل ملة خصوصا من المسيحيين والمسلمين ، ثم لم يزالوا بعد طول الجدال وقوفا حيث ابتدءوا ، وغاية ما فعلوا أن فرقوا وشتتوا ، فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلاله المطلق ، وهو غرور ظاهر ، ومنهم من قال بالجبر وصرح به ، ومنهم من قال به وتبرأ من اسمه ، وهو هدم للشريعة ، ومحو للتكاليف ، وإبطال لحكم العقل البديهي وهو عماد الإيمان . ودعوى أن الاعتقاد بكسب العبد لأفعاله يؤدى إلى الإشراك بالله - وهو الظلم العظيم - دعوى من لم يلتفت إلى معنى الإشراك على ما جاء به الكتاب والسنة ، فالإشراك : اعتقاد أن لغير الله أثرا فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة ، وأن