الشيخ محمد عبده

45

رسالة التوحيد

وتأدية ما لزمه من الواجبات . تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وغلا آخرون في نفى التعليل عن أفعاله حتى خيّل للممعن في مقالاتهم أنهم لا يرضونه إلا قلّبا يبرم اليوم ما نقضه بالأمس ، ويفعل غدا ما أخبر بنقيضه اليوم . أو غافلا لا يشعر بما يستتبعه عمله « سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ » وهو أحكم الحاكمين . وأصدق القائلين . جبروت الله وطهارة دينه أعلى وأرفع من هذا كله . اتفق الجميع على أن أفعاله تعالى لا تخلو من حكمة . وصرح الغلاة والمقصرون جميعا بأنه تعالى منزه عن العبث في أفعاله . والكذب في أقواله ، ثم بعد هذا أخذوا يتنابذون بالألفاظ ، ويتمارون في الأوضاع ، ولا يدرى إلى أي غاية يقصدون ؟ فلنأخذ ما اتفقوا عليه ، ولنرد إلى حقيقة واحدة ما اختلفوا فيه . حكمة كل عمل ما يترتب عليه مما يحفظ نظاما أو يدفع فسادا ، خاصا كان أو عاما ، لو كشف للعقل من أي وجه لعقله وحكم بأن العمل لم يكن عبثا ولعبا ، ومن يزعم للحكمة معنى لا يرجع إلى هذا حاكمناه إلى أوضاع اللغة وبداهة العقل . لا يسمى ما يترتب على العمل حكمة ولا يتمثل عند العقل بمثالها إلا إذا كان ما يتبع العمل مرادا لفاعله بالفعل ، وإلا لعد النائم حكيما فيما لو صدرت منه حركة في نومه . قتلت عقربا كادت تلسع طفلا ، أو دفعت صبيا عن حفرة كاد يسقط فيها ، بل لوسم بالحكمة كثير من العجماوات إذا استتبعت حركاتها بعض المنافع الخاصة أو العامة . والبداهة تأباه . من القواعد الصحيحة المسلمة عند جميع العقلاء « أن أفعال العاقل تصان عن العبث » ولا يريدون من العاقل إلا العالم بما يصدر عنه بإرادته ، ويريدون من صونها عن العبث أنها لا تصدر إلا لأمر يترتب عليها يكون غاية لها ، وإن كان هذا في العاقل الحادث ، فما ظنك بموجد كل عقل ، ومنتهى الكمال في العلم والحكم ؟ هذه كلها مسلمات لا ينازع فيها أحد . صنع الله الّذي أتقن كل شيء 62 وأحسن خلقه مشحون بضروب الحكم ، ففيه ما قامت به السماوات والأرض وما بينهما وحفظ به نظام الكون بأسره ، وما صانه عن الفساد الّذي يفضى به إلى العدم ، وفيه ما استقامت به مصلحة كل