الشيخ محمد عبده
46
رسالة التوحيد
موجود على حدته ، خصوصا ما هو من الموجودات الحية كالنبات والحيوان ، ولولا هذه البدائع من الحكم ما تيسر لنا الاستدلال على علمه . فهذه الحكم التي نعرفها الآن بوضع كل شيء في موضعه ، وإيتاء كل محتاج ما له إليه الحاجة ، إما أن تكون معلومة له مرادة مع الفعل أم لا 63 . لا يمكن القول بالثاني ، وإلا لكان قولا بقصور العلم إن لم تكن معلومة ، أو بالغفلة إن لم تكن مرادة . قد سبق تحقيق أن علمه وسع كل شيء واستحالة غيبة أثر من آثاره عن إرادته ، فهو يريد الفعل ويريد ما يترتب عليه من الحكمة ، ولا معنى لهذا إلا إرادته للحكمة من حيث هي تابعة للفعل ، ومن المحال أن تكون الحكمة غير مرادة بالفعل مع العلم بارتباطها به ، فيجب الاعتقاد بأن أفعاله يستحيل أن تكون خالية من الحكمة ، وبأن الحكمة يستحيل أن تكون غير مرادة ، إذ لو صح توهم أن ما يترتب على الفعل غير مراد لم يعد ذلك من الحكمة كما سبق . فوجوب الحكمة في أفعاله تابع لوجوب الكمال في عمله وإرادته ، وهو مما لا نزاع فيه بين جميع المتخالفين . وهكذا يقال في وجوب تحقق ما أوعد ووعد به ، فإنه تابع لكمال علمه وإرادته وصدقه ، وهو أصدق القائلين 64 . وما جاء في الكتاب أو السنة مما قد يوهم خلاف ذلك يجب إرجاعه إلى بقية الآيات وسائر الآثار حتى ينطبق بكمال الجميع على ما هدت إليه البديهيات السابق إيرادها وعلى ما يليق الله وبالغ حكمته ، وجليل عظمته ، والأصل الّذي يرجع إليه كل وارد في هذا الباب قوله تعالى : ( 21 : 16 وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 17 ) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( 18 ) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ، وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) . وقوله : « لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا » ، أي لصدر عن ذاتنا المتفردة بالكمال المطلق لا يشوبه نقص وهو محال . و « إن » في قوله : « إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ » نافية ، وهو نتيجة القياس السابق 65 . بقي أن الناظرين في هذه الحقائق ينقسمون إلى قسمين : فمنهم من يطلب علمها ؛ لأنه شهوة العقل وفيه لذته . فهذا القسم يسمى المعاني بأسمائها ولا