الشيخ محمد عبده

37

رسالة التوحيد

الهوامش : ( 30 ) هذه القسمة عقلية وهي للحصر ؛ لأن ما يتعلق به العلم إما ثابت قطعا لا يقبل الانتفاء لذاته وهو الواجب ، وإما ضده وهو المستحيل ، وإما واسطة بينهما وهو ما لا تقضى ذاته الثبوت ولا الانتفاء ، بل يجوز لها الأمران بحسب العلل وهو الممكن . فمعنى كون الشيء ممكنا أو مستحيلا أو واجبا لذاته هو كونه كذلك لغير علة اقتضت ذلك غير ذاته وحقيقته ، أي إن ذاته إذا تصورت مجردة من كل اعتبار لم تكن إلا كذلك . والمراد بالإمكان والوجوب والاستحالة ما كان كذلك بحكم العقل القاطع لا العادة ، فمثال المستحيل اجتماع النقيضين ككون الشيء موجودا معدوما في آن واحد ، أي موجودا غير موجود فهذا معلوم ، أي متعلق للعلم يجزم العقل بعدمه ، أي عدم تحققه لذاته ، أي إن ذاته لا يمكن أن تكون ثابتة وليس منه مشى الإنسان على الماء ، أو طيرانه في الهواء وإنما هذا مستحيل عادة ، ومثال الواجب الوجود المطلق والزوجية للأربعة ، فإنك لا يمكنك أن تتصور العدم المحض . ولا كون الأربعة ليست زوجا ، ومثال الممكن ظاهر ، فإن جميع هذه الموجودات التي ندركها بحواسنا ممكنة الوجود كما يعلم مما يأتي في الرسالة . ( 31 ) يفسرون الماهية بأنها ما به الشيء هو هو ، ونوضح ذلك بقولنا : إن ماهية الشيء ترادف حقيقته في الجملة ، مثال ذلك : أن ما يتصوره الذهن من معنى الإنسانية الكلى الّذي يوجد في كل إنسان غير مصاب بعلة ككونه حيوانا ناطقا عاقلا يسمى ماهية الإنسان وحقيقته ، ولكن تختلف التسمية باختلاف الاعتبار ، فما يتعلق في الذهن من معنى الشيء الّذي تتقوم به ذاته ويجاب به إذا سئل عنه بما هو ذلك الشيء ؟ يسمى ماهية وإنما يسمى حقيقة أو ذاتا باعتبار تحققه في الواقع ، ولذلك يطلق لفظ الماهية على ما لا تحقق له كمفهوم العنقاء ولا يطلق عليه لفظ الحقيقة ، ولازم الشيء ما لا ينفك عنه كلزوم الانقسام إلى متساويين لزوج . وكلمة الماهية وتفسيرها والسؤال عن الشيء بما هو وما خصوه به واشترطوه في جوابه كل ذلك من اصطلاح علم المنطق لا من أصل اللغة . فالعرب تقول ما كذا ؟ لا ما هو كذا وقد يجيبون عنه بأي صفة تميز الشيء المسؤول عنه وعن غيره . ( 32 ) قال المؤلف : إن هذا من القضايا التي قياساتها معها ، لأن سلب اللازم إنما يكون بسلب الملزوم ، وهو كون الماهية هي . أي فهو كسلب الانقسام إلى متساويين عن عدد الزوج وهو نفى لكونه زوجا . فكأنك قلت : إنه زوج غير زوج . ( 33 ) يريد بهذا أن ما ذكر من ماهية المستحيل هو أمر اعتباري أو فرضى يخترعه العقل ؛ لأجل الحكاية عنه كما تقدم في الرسالة قريبا . لا لأن له تحققا في نفسه . فالحق أن المستحيل ليس له ماهية ثابتة في الذهن ولا حقيقة في الخارج . أما الثاني فلأن ما في الخارج هو الموجود بالفعل ،