الشيخ محمد عبده
36
رسالة التوحيد
الوجود لكان لكل من الواجبين تعين يخالف تعين الآخر بالضرورة ، وإلا لم يتحصل معنى التعدد . وكلما اختلفت التعينات اختلفت الصفات الثابتة للذوات المتعينة ؛ لأن الصفة إنما تتعين وتنال تحققها الخاص بها بتعين ما ثبتت له بالبداهة . فيختلف العلم والإرادة باختلاف الذوات الواجبة إذ يكون لكل واحدة منها علم وإرادة يباينان علم الأخرى وإرادتها ، ويكون لكل واحدة علم وإرادة يلائمان ذاتها وتعينها الخاص بها . هذا التخالف ذاتي ؛ لأن علم الواجب وإرادته لا زمان لذاته من ذاته لا لأمر خارج ، فلا سبيل إلى التغير والتبدل فيهما كما سبق ، وقد قدمنا أن فعل الواجب إنما يصدر عنه على حسب علمه وحكم إرادته ، فيكون فعل كل صادرا على حكم يخالف الآخر مخالفة ذاتية ، فلو تعدد الواجبون لتخالفت أفعالهم بتخالف علومهم وإراداتهم ، وهو خلاف يستحيل معه الوفاق ، وكل واحد بمقتضى وجوب وجوده وما يتبعه من الصفات له السلطة على الإيجاد في عامة الممكنات ، فكل له التصرف في كل منها على حسب علمه وإرادته ، ولا مرجح لنفاذ إحدى القدرتين دون الأخرى ، فتتضارب أفعالهم حسب التضارب في علومهم وإراداتهم ، فيفسد نظام الكون بل يستحيل أن يكون له نظام ، بل يستحيل وجود ممكن من الممكنات ؛ لأن وجود كل ممكن لا بدّ أن يتعلق به الإيجاد على حسب العلوم والإرادات المختلفة ، فيلزم أن يكون للشئ الواحد وجودات متعددة وهو محال - فلو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 54 لكن الفساد ممتنع بالبداهة ، فهو - جل شأنه - واحد في ذاته وصفاته ، ولا شريك له في وجوده ولا في أفعاله .