الشيخ محمد عبده
33
رسالة التوحيد
ما هو لازم لوجود الواجب يغنى بغناه 49 ويبقى ببقائه ، وعلم الواجب من لوازم وجوده ، فلا يفتقر إلى شيء ما وراء ذاته ، فهو أزلي أبدى غنى عن الآلات وجولات الفكر وأفاعيل النظر ، فيخالف علوم الممكنات بالضرورة . ما يوجد من الممكنات فهو موافق لما انكشف بذلك العلم وإلا لم يكن علما . من أدلة ثبوت العلم للواجب ما نشاهده في نظام الممكنات من الإحكام والإتقان ، ووضع كل شيء في موضعه ، وقرن كل ممكن بما يحتاج إليه في وجوده وبقائه ، وذلك ظاهر لجلى النظر بما يشاهد في الأعيان كبيرها وصغيرها علويها وسفليها ، فهذه الروابط بين الكواكب والنسب الثابتة بينها ، وتقدير حركاتها على قاعدة تكفل لها البقاء على الوضع الّذي قدر لها ، وإلزام كل كوكب بمدار ، لو خرج عنه لاختل نظام عالمه أو العالم بأسره ، وغير ذلك مما فصل في علوم الهيئة الفلكية - كل ذلك يشهد بعلم صانعه وحكمة مدبره . اعتبر بما تراه في جزئيات النباتات والحيوانات من توفيتها قواها ، وإيتائها ما تحتاج إليه في تقويم وجودها من الآلات والأعضاء ، ووضع ذلك في مواضعه من أبدانها ، وإيداع غير الحساس منها كالنبات قوة الميل إلى تناول ما يناسبه من الغذاء دون ما لا يلائمه ، فترى بذرة الحنظل تدفن بجوار حبة البطيخ في أرض واحدة ثم تسقى بماء واحد وتنمى بعناية واحدة ، ولكن تلك تمتص من المواد ما يغذى المر الزعاق ، وهذه تتناول ما يغدو حلو المذاق ، وإرشاد الحساس منها إلى استعمال ما منح من تلك الأدوات والأعضاء ، وسوق كل قوة من قواه إلى ما قدرت له . فهو الّذي يعلم حالة الجنين وهو نطفة أو علقة ويعلم حاجته - متى تكامل خلقه وأنشأه نشأة الحي المستقل في عمله - إلى الأيدي والأرجل والأعين والمشام والآذان وبقية المشاعر الباطنة ؛ ليستعمل ذلك فيما يقيم وجوده ، ويقيه من العوادى عليه . وحاجته إلى المعدة والكبد والرئة ونحوها من الأعضاء التي لا غنى عنها في النمو والبقاء إلى الأجل المحدود للشخص أو للنوع . هو الّذي يعلم حالة الجروة من الكلاب مثلا ، وأنها متى كبرت تلد أجراء متعددة فيمنحها أطباء 50 كثيرة وغير ذلك مما لا يستطاع إحصاؤه . وقد فصل الكثير منه في كتب النباتات وحياة الحيوان وما يسمى التاريخ الطبيعي ، وفنون