الشيخ محمد عبده
34
رسالة التوحيد
منافع الأعضاء والطب وما يتبعه ، على أن الباحثين في كل ذلك بعد ما بذلوا من الجهد وما صرفوا من الهمم وما كشفوا من الأسرار لم يزالوا في أول البحث . هذا الصنيع الّذي إنما تتفاضل العقول في فهم أسراره ، والوقوف على دقائق حكمه ، ألا يدل على أن مصدره هو العالم بكل شيء ؟ الّذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ؟ هل يمكن لمجرد الاتفاق المسمى بالصدفة 51 أن يكون ينبوعا لهذا النظام ؟ ووضعا لتلك القواعد التي يقوم عليها وجود الأكوان عظيمها وحقيرها ؟ كلا بل مبدع ذلك كله هو من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم . الإرادة مما يجب لواجب الوجود : الإرادة . وهي صفة تخصص فعل العالم بأحد وجوهه الممكنة 52 . بعد ما ثبت أن واهب وجود الممكنات هو الواجب ، وأنه عالم ، وأن ما يوجد من الممكن لا بدّ أن يكون على وفق علمه ، ثبت بالضرورة أنه مريد ؛ لأنه إنما يفعل على حسب علمه . ثم إن كل موجود فهو على قدر مخصوص ، وصفة معينة ، وله وقت ومكان محدودان . وهذه وجوه قد خصصت له بقية الوجوه الممكنة . وتخصيصها كان على وفق العلم بالضرورة ، ولا معنى للإرادة إلا هذا . أما ما يعرف من معنى الإرادة ، وهو ما به يصح للفاعل أن ينفذ ما قصد ، وأن يرجع عنه ، فذلك محال في جانب الواجب ، فإن هذا المعنى من الهموم الكونية والعزائم القابلة للفسخ ، وهي من توابع النقص في العلم . فتتغير على حسب تغير الحكم ، وتردد الفاعل بين البواعث على الفعل والترك . القدرة ومما يجب له : القدرة . وهي صفة بها الإيجاد والإعدام . ولما كان الواجب هو مبدع الكائنات على مقتضى علمه وإرادته فلا ريب يكون قادرا بالبداهة ؛ لأن فعل