الشيخ محمد عبده

18

رسالة التوحيد

وكانت الآراء في الخلفاء والخلافة تسير مع الآراء في العقائد ، كأنها مبنى من مباني الاعتقاد الإسلامي . تفرقت السبل بأتباع وأصل 18 ، وتناولوا من كتب اليونان ما لاق بعقولهم ، وظنوا من التقوى أن تؤيد العقائد بما أثبته العلم بدون تفرقة بين ما كان منه راجعا إلى أوليات العقل ، وما كان سرابا في نظر الوهم ، فخلطوا بمعارف الدين ما لا ينطبق على أصل من أصول النظر ، ولجوا في ذاك حتى صارت شيعهم تعد بالعشرات ، وأيدتهم الدولة العباسية وهي في ريعان القوة فغلب رأيهم ، وابتدأ علماؤهم يؤلفون الكتب ، فأخذ المتمسكون بمذاهب السلف يناضلونهم معتصمين بقوة اليقين ، وإن لم يكن لهم عضد من الحاكمين . عرف الأولون من العباسيين ما كان من الفرس في إقامة دولتهم وقلب دولة الأمويين ، واعتمدوا على طلب الأنصار فيهم ، وأعدوا لهم منصات الرفعة - بين وزرائهم وحواشيهم - فعلا أمر كثير منهم وهم ليسوا من الدين في شيء . ، وكان فيهم المانوية واليزدية ومن لا دين له وغير أولئك من الفرق الفارسية ، فأخذوا ينفثون من أفكارهم ، ويشيرون بحالهم وبمقالهم إلى من يرى مثل آرائهم أن يقتدوا بهم ، فظهر الإلحاد ، وتطلعت رؤوس الزندقة حتى صدر أمر المنصور بوضع كتب لكشف شبهاتهم ، وإبطال مزاعمهم . فيما حوالي هذا العهد كانت نشأة هذا العلم نبتا لم يتكامل نموه ، وبناء لم يتشامخ علوه ، وبدأ علم الكلام كما انتهى مشوبا بمبادئ النظر في الكائنات ، جريا على ما سنّه القرآن من ذلك ، وحدثت فتنة القول بخلق القرآن أو أزليته 19 وانتصر للأول جمع من خلفاء العباسيين ، وأمسك عن القول أو صرح بالأزلية عدد غفير من المتمسكين بظواهر الكتاب والسنة ، أو المتعففين عن النطق بما فيه مجاراة البدعة ، وأهين في ذلك رجال من أهل العلم والتقوى ، وسفكت فيه دماء بغير حق . وهكذا تعدى القوم حدود الدين باسم الدين . على هذا كان النزاع بين ما تطرف من نظر العقل ، وما توسط أو غلا من الاستمساك بظاهر الشرع ، والكل على وفاق على أن الأحكام الدينية واجبة