الشيخ محمد عبده
19
رسالة التوحيد
الاتباع : ما تتعلق منها بالعبادات والمعاملات وجب الوقوف عنده ، وما مس بواطن القلوب وملكات النفوس فرض توطين النفس عليه ، وكان وراء هؤلاء قوم من أهل الحلول أو الدهريين طلبوا أن يحملوا القرآن على ما حملوه عند التحافهم بالإسلام وأفرطوا في التأويل ، وحولوا كل عمل ظاهر إلى سر باطن ، وفسروا الكتاب ، بما يبعد عن تناول الخطاب ، بعد الخطأ عن الصواب ، وعرفوا بالباطنية أو الإسماعيلية ، ولهم أسماء أخر تعرف في التاريخ ، فكانت مذاهبهم غائلة الدين ، وزلزال اليقين ، وكانت لهم فتن معروفة ، وحوادث مشهورة . مع اتفاق السلف وخصومهم في مقارعة هؤلاء الزنادقة وأشياعهم كان أمر الخلاف بينهم جللا ، وكانت الأيام بينهم دولا ، ولا يمنع ذلك من أخذ بعضهم عن بعض ، واستفادة كل فريق من صاحبه ، إلى أن جاء الشيخ أبو الحسن الأشعري في أوائل القرن الرابع 20 وسلك مسلكه المعروف وسطا بين موقف السلف وتطرّف من خالفهم ، وأخذ يقرر العقائد على أصول النظر ، وارتاب في أمره الأولون وطعن كثير منهم على عقيدته ، وكفّره الحنابلة واستباحوا دمه . ونصره جماعة من أكابر العلماء كأبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والأسفراينى وغيرهم 21 ، وسموا رأيه بمذهب أهل السنة والجماعة 22 فانهزم من بين أيدي هؤلاء الأفاضل قوتان عظيمتان : قوة الواقفين عند الظواهر ، وقوة الغالين في الجرى خلف ما تزينه الخواطر ، ولم يبق من أولئك وهؤلاء بعد نحو ( من ) قرنين إلا فئات قليلة في أطراف البلاد الإسلامية . غير أن الناصرين لمذهب الأشعري بعد تقريرهم ما بنى رأيه عليه من نواميس الكون أوجبوا على المعتقد أن يوقن بتلك المقدمات ونتائجها ، كما يجب عليه اليقين بما تؤدى إليه من عقائد الإيمان ، ذهابا منهم إلى أن عدم الدليل يؤدى إلى عدم المدلول ، ومضى الأمر على ذلك إلى أن جاء الإمام الغزالي والإمام الرازي ومن أخذ مأخذهما فخالفهم في ذلك ، وقرروا أن دليلا واحدا أو أدلة كثيرة قد يظهر بطلانها ، ولكن قد يستدل على المطلوب بما هو أقوى منها ، فلا وجه للحجر في الاستدلال .