الشيخ محمد عبده

17

رسالة التوحيد

جمهور عظيم من العمل في الدفاع عن سلطان الإسلام ، وآن لهم أن يشتغلوا في أصول العقائد والأحكام ، بما هداهم إليه سير القرآن ، اشتغالا يحرص فيه على النقل ولا يهمل فيه اعتبار العقل ، ولا يغض فيه من نظر الفكر ، ووجد من أهل الإخلاص من انتدب للنظر في العلم والقيام بفريضة التعليم ، ومن أشهرهم الحسن البصري ، فكان له مجلس للتعليم والإفادة في البصرة ، يجتمع إليه الطالبون من كل صوب ، وتمتحن فيه المسائل من كل نوع ، وكان قد التحف بالإسلام ولم يتبطنه أناس من كل ملة ، دخلوه حاملين لما كان عندهم ، راغبين أن يصلوا بينه وبين ما وجدوه ، فثارت الشبهات بعد ما هبت على الناس أعاصير الفتن واعتمد كل ناظر على ما صرح به القرآن من إطلاق العنان للفكر ، وشارك الدخلاء من حق لهم السبق من العرفاء ، وبدت رؤوس المشاقين ، تعلو بين المسلمين . وكانت أول مسألة ظهر الخلاف فيها : مسألة الاختيار واستقلال الإنسان بإرادته وأفعاله الاختيارية ، ومسألة من ارتكب الكبيرة ولم يتب . اختلف فيها وأصل بن عطاء وأستاذه الحسن البصري ، واعتزله يعلّم أصولا لم يكن أخذها عنه ، غير أن كثيرا من السلف ومنهم الحسن - على قول - كان على رأى أن العبد مختار في أعماله الصادرة عن علمه وإرادته 16 ، وقام ينازع هؤلاء أهل الجبر الذين ذهبوا إلى أن الإنسان في عمله الإرادي كأغصان الشجر في حركاتها الاضطرارية ، كل ذلك وأرباب السلطان من بنى مروان لا يحلفون بالأمر ، ولا يعنون برد الناس إلى أصل ، وجمعهم على أمر يشملهم ، ثم يذهب كل إلى ما شاء ، سوى أن عمر بن عبد العزيز أمر الزهري بتدوين ما وصل إليه من الحديث 18 ، وهو أول من جمع الحديث . ثم لم يقف الخلاف عند المسألتين السابقتين ، بل امتد إلى إثبات صفات المعاني للذات الإلهية أو نفيها عنها ، وإلى تقرير سلطة العقل في معرفة جميع الأحكام الدينية حتى ما كان منها فروعا وعبادات ( غلوا في تأييد خطة القرآن ) أو تخصيص تلك السلطة بالأصول الأولى - على ما سبق بيانه - ثم غالى آخرون وهم الأقلون ، فمحوها بالمرة ، وخالفوا في ذلك طريقة الكتاب عنادا للأولين ، رسالة التوحيد -