الشيخ محمد عبده
16
رسالة التوحيد
لتعدى الحدود التي حدها الدين ، فقد قتل الخليفة بدون حكم شرعي ، وأشعر الأمر قلوب العامة أن شهوات تلاعبت بالعقول في أنفس من لم يملك الإيمان قلوبهم ، وغلب الغضب على كثير من الغالين في دينهم ، وتغلب هؤلاء وأولئك على أهل الأصالة منهم ، فقضيت أمور على غير ما يحبون . وكان من العاملين في تلك الفتنة عبد اللّه بن سبأ : يهودي أسلم ، وغلا في حب على - كرم اللّه وجهه - حتى زعم أن اللّه حل فيه 13 وأخذ يدعو إلى أنه الأحق بالخلافة ، وطعن على عثمان فنفاه ، فذهب إلى البصرة وبث فيها فتنته ، فأخرج منها ، فذهب إلى الكوفة ونفث ما نفث من سم الفتنة ، فنفى منها ، فذهب إلى الشام فلم يجد فيها ما يريد ، فذهب إلى مصر فوجد فيها أعوانا على فتنته ، إلى أن كان ما كان مما ذكرناه ، ثم ظهر بمذهبه في عهد على فنفاه إلى المدائن ، وكان رأيه جرثومة لما حدث من مذاهب الغلاة من بعده . توالت الأحداث بعد ذلك ، ونقض بعض المبايعين الخليفة الرابع ما عقدوا ، وكانت حروب بين المسلمين انتهى فيها أمر السلطان إلى الأمويين . غير أن بناء الجماعة قد انصدع ، وانفصمت عرى الوحدة بينهم ، وتفرقت بهم المذاهب في الخلافة ، وأخذ الأحزاب في تأييد آرائهم ، كل ينصر رأيه على رأى خصمه بالقول والعمل ، وكانت نشأة الاختراع في الرواية والتأويل ، وغلا كل قبيل ، فافترق الناس إلى شيعة وخوارج ومعتدلين ، وغلا الخوارج فكفّروا من عداهم ، ثم استمر عنادهم وطلبهم لحكومة أشبه بالجمهورية ، وتكفيرهم لمن خالفهم زمنا طويلا ، إلى أن تضعضع أمرهم ، بعد حروب أكلت كثيرا من المسلمين ، وانتشرت فارتهم في أطراف البلاد ، ولم يكفوا عن إشعال الفتن ، وبقيت منهم بقية إلى اليوم في أطراف إفريقيا وناحية من جزيرة العرب 14 . وغلا الشيعة فرفعوا عليا أو بعض ذريته إلى مقام الألوهية أو ما يقرب منه 15 ، وتبع ذلك خلاف في كثير من العقائد . غير أن شيئا من ذلك لم يقف في سبيل الدعوة الإسلامية ، ولم يحجب ضياء القرآن عن الأطراف المتنائية عن مثار النزاع ، وكان الناس يدخلون فيه أفواجا من الفرس والسوريين ومن جاورهم ، والمصريين والإفريقيين ومن يليهم ، واستراح