ابن تيميه
99
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وإن كان المراد هو السلام عليه عند قبره كما فهمه عامة العلماء ، فهل يدخل فيه من سلّم من خارج الحجرة ؟ فهذا مما تنازع فيه الناس ، وقد توزّعوا في دلالته ، فمن الناس من يقول : هذا إنما يتناول من سلّم عليه عند قبره ، كما كانوا يدخلون الحجرة على زمن عائشة فيسلّمون على النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، فكان يرد عليهم ، فأولئك سلموا عليه عند قبره وكان يردّ عليهم . وهذا قد جاء عموما في حق المؤمنين ؛ « ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام » « 1 » . قالوا : فأما من كان في المسجد فهؤلاء لم يسلّموا عليه عند قبره ، بل سلامهم عليه كالسلام عليه في الصلاة ، وكالسلام عليه إذا دخل المسلّم المسجد وخرج منه ، وهذا هو السلام الذي أمر اللّه به في حقه ، بقوله : صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً وهذا السلام قد ورد : أنه « من سلّم عليه مرة سلّم اللّه عليه عشرا » كما أنه من صلّى عليه مرة صلّى اللّه عليه بها عشرا . فأما أثر : « من صلّى عليه مرة صلّى اللّه عليه عشرا » فهذا ثابت من وجوه ؛ بعضها في الصحيح ، كما في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ ، فإنه من صلّى عليّ مرّة صلّى اللّه بها عليه عشرا ، ثم سلوا اللّه لي الوسيلة ، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه ، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد ، فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلّت عليه شفاعتي » « 2 » . وهذا مرويّ عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم من غير هذا الوجه ، كما في حديث العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم قال : « من صلّى عليّ واحدة صلّى اللّه عليه عشرا » « 3 » . وأما السلام ؛ فقد جاء أيضا في أحاديث ، من أشهرها حديث عبد اللّه بن المبارك ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن سليمان مولى الحسن بن علي ، عن عبد اللّه بن أبي طلحة ، عن أبيه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ؛ أنه جاء ذات يوم والبشرى ترى في وجهه فقال : « إنه جاءني جبرائيل فقال : أما يرضيك يا محمد ، أنه لا يصلّي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا ؟ أو لا يسلّم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا » « 4 » .
--> ( 1 ) حديث ضعيف ؛ ذكره الديلمي في « الفردوس » ( 6055 ) والغزالي في « الإحياء » ( 4 / 475 ) . قال الحافظ العراقي : « رواه ابن أبي الدنيا في القبور ، وفيه عبد اللّه بن سمعان ، ولم أقف على حاله . ورواه ابن عبد البر في « التمهيد » من حديث ابن عباس نحوه » . وعزاه السيوطي للخطيب وابن عساكر من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . وضعّفه المحدث الألباني في « ضعيف الجامع » رقم ( 5208 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 384 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 408 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 4 / 30 ) والنسائي ( 3 / 445 ) وفي « الكبرى » رقم ( 1115 ) و ( 1127 ) والحاكم ( 2 / 420 ) والقاضي إسماعيل الجهضمي في « فضل الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم » ( 2 ) وابن حبان ( 3 / رقم : 915 ) وصححه الألباني - رحمه اللّه - .