ابن تيميه

100

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وقد روي في عدة أحاديث : أن اللّه يصلّي على كل من صلّى عليه ، ويسلّم على من يسلّم عليه . ولم يذكر عددا ، لكن الحسنة بعشر أمثالها ، فالمقيد يفسّر المطلق . قال القاضي عياض : من رواية عبد الرحمن بن عوف عنه عليه السلام قال : « لقيت جبريل فقال لي : أبشرك أن اللّه يقول : من سلّم عليك سلّمت عليه ، ومن صلّى عليك صليت عليه » . قال : ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن أوس بن الحدثان وعبيد اللّه بن أبي طلحة « 1 » . قلت : وبسط الكلام على هذه الأحاديث له موضع آخر . والمقصود هنا ؛ أن ما أمر اللّه به من الصلاة والسلام عليه هو كما أمر به صلى اللّه عليه وسلّم من الدعاء له بالوسيلة ، وهذا أمر اختصّ هو به ، فإن اللّه أمر بذلك في حقّه بعينه مخصوصا بذلك ، وإن كان السلام على جميع عباد اللّه الصالحين مشروعا على وجه العموم ، وقد قيل : إن الصلاة تكره على غير الأنبياء ، وغلا بعضهم فقال : تكره على غيره ، وكذلك قال بعض المتأخّرين : في السلام . ولكن الصواب الذي عليه عامة العلماء ؛ أنه يسلّم على غيره ، وأما الصلاة فقد جوّزها أحمد وغيره ، والنزاع فيها معروف . وفي تفسير شيبان عن قتادة قال : حدّث أنس بن مالك عن أبي طلحة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « إذا سلّمتم عليّ فسلّموا على المرسلين ، فإنما أنا رسول من المرسلين » « 2 » . وقد قال اللّه في كتابه : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى [ النمل : 59 ] وقال : وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الصافات : 181 ، 182 ] . وقال : لما ذكر نوحا وإبراهيم وموسى وهارون وإلياسين : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ [ الصافات : 78 ، 79 ] . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ [ الصافات : 108 ، 109 ] . وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ

--> ( 1 ) انظر هذه الروايات وتخريجها في الكتاب الماتع « جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام » للإمام العلامة ابن قيم الجوزية ، حققه : البحّاثة الفاضل مشهور بن حسن آل سلمان - حفظه اللّه - ونشر بدار ابن الجوزي . ( 2 ) أخرجه أبو الشيخ في « طبقات المحدثين بأصبهان » ( 2 / 10 - 11 / 92 ) وأبو نعيم في « ذكر أخبار أصبهان » ( 2 / 335 ) بإسناد فيه مجهول . وأخرجه الخطيب في « تاريخه » ( 7 / 380 ) بإسناد فيه مجهول أيضا . وأخرجه ابن أبي حاتم في « تفسيره » كما في « تفسير ابن كثير » ( 4 / 34 ) . من طريق : شيبان ، عن قتادة ، قال : حدّثنا أنس بن مالك ، عن أبي طلحة : فذكره مرفوعا . وأخرجه ابن أبي عاصم في « الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم » ( 69 - 70 ) من طريق : ابن أبي عروبة ، عن قتادة عن أنس مرفوعا بلفظ : « إذا صليتم على المرسلين فصلّوا عليّ معهم ، فإني رسول من المرسلين » . وإسناده ظاهره الصحة كما قال الشيخ مشهور بن حسن - حفظه اللّه - في تحقيقه على « جلاء الأفهام » ص 635 . ومنه استفدت التخريج السابق ، فله الفضل والأجر إن شاء اللّه .