ابن تيميه

98

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

المعتمدة ؛ كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم ، ولا أهل المساند التي من هذا الجنس ؛ كمسند أحمد وغيره . ولا في موطأ مالك ، ولا مسند الشافعي ونحو ذلك ، شيء من ذلك ، ولا احتجّ إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيره بحديث فيه ذكر زيارة قبره ، فكيف تكون في ذلك أحاديث صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث ؟ ومن أين لهذا وأمثاله أن تلك الأحاديث صحيحة ، وهو لا يعرف هذا الشأن ؟ الوجه الخامس : قوله : وغيرها مما لم تبلغ درجة الصحيح ، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ، ويحصل بها الترجيح . فيقال له : اصطلاح الترمذي ومن بعده ؛ أن الحديث ثلاثة أقسام : صحيح ، وحسن ، وضعيف . والضعيف قد يكون موضوعا يعلم أنه كذب ، وقد لا يكون كذلك ، فما ليس بصحيح وكان حسنا على هذا الاصطلاح احتجّ به . وهو لم يذكر حديثا ، وبيّن أنه حسن يجوز الاستدلال به . فنقول له : لا نسلّم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به ، وهو لم يذكر إلا دعوى مجرّدة ، فيقابل بالمنع . الوجه السادس : أن يقال : ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به ، بل كلها ضعيفة ؛ بل موضوعة ، كما قد بسط في مواضع ، وذكرت هذه الأحاديث وذكرت كلام الأئمة عليها حديثا حديثا ، بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلّم بلفظ زيارة قبره البتة ، فلم يكن هذا اللفظ معروفا عندهم . ولهذا كره مالك التكلم به ، بخلاف لفظ زيارة القبور مطلقا . فإن هذا اللفظ معروف عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم وعن أصحابه وفي القرآن : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ [ التكاثر : 1 ، 2 ] . لكن معناه عند الأكثرين الموت ، وعند طائفة هي زيارتها للتفاخر بالموتى والتكاثر . وأما لفظ قبر النبي صلى اللّه عليه وسلّم على الخصوص فلا يعرف لا عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ولا عن أصحابه ، وكل ما روي فيه فهو ضعيف ، بل هو كذب موضوع ، عند أهل العلم بالحديث ، كما قد بسط هذا في مواضع . الوجه السابع : أن يقال : الذين أثبتوا استحباب السلام عليه عند الحجرة كمالك وابن حبيب وأحمد بن حنبل وأبي داود ؛ احتجّوا إما بفعل ابن عمر كما احتج به مالك وأحمد وغيرهم ، وإما بالحديث الذي رواه أبو داود وغيره بإسناد جيد عن أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما من رجل يسلم عليّ إلا ردّ اللّه عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام » . فهذا عمدة أحمد وأبي داود وابن حبيب وأمثالهم ، وليس في لفظ الحديث المعروف في السنن والمسند ( عند قبري ) لكن عرفوا أن هذا هو المراد ، وأنه لم يرد على كل مسلّم عليه في كل صلاة في شرق الأرض وغربها ، مع أن هذا المعنى إن كان هو المراد بطل الاستدلال بالحديث من كل وجه على اختصاص تلك البقعة بالسلام ،