ابن تيميه

97

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

فصل [ هل وردت أحاديث صحيحة في زيارة قبره صلى اللّه عليه وسلّم ؟ ] قال المعترض : وورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها مما لم يبلغ درجة الصحيح ، لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح . والجواب : من وجوه : أحدها : أن يقال : لو ورد من ذلك ما هو صحيح لكان إنما يدل على مطلق الزيارة ، وليس في جواب الاستفتاء نهي عن مطلق الزيارة ، ولا حكى نزاع في ذلك الجواب ، وإنما فيها ذكر النزاع فيمن لم يكن سفره إلا لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، وحينئذ فلو كان في هذا الباب حديث صحيح لم يتناول محل النزاع ، ولا فيه رد على ما ذكره المجيب من النزاع والإجماع . الثاني : أنه لو قدّر أنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة ؛ لكان المراد بها هو المراد بقول من قال من العلماء : إنه يستحبّ زيارة قبره ، ومرادهم بذلك السفر إلى مسجده ، وفي مسجده يسلّم عليه ويصلّى عليه ، ويدعى له ويثنى عليه ، ليس المراد أنه يدخل إلى قبره ويوصل إليه ، وحينئذ فهذا المراد قد استحبه المجيب ، وذكر أنه مستحبّ بالنص والإجماع ، فمن حكى عن المجيب أنه لا يستحب ما استحبه علماء المسلمين من زيارة قبره على الوجه المشروع ؛ فقد استحق ما يستحقه الكاذب المفتري . وإذا كان يستحب هذا وهو المراد بزيارة قبره ، فزيارة قبره بهذا المعنى من مواقع الإجماع ، لا من موارد النزاع . الثالث : أن نقول : قول القائل : إنه ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة ؛ قول لم يذكر عليه دليلا ، فإذا قيل له : لا نسلّم أنه ورد في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب ، وهو لم يذكر شيئا من تلك الأحاديث ، كما ذكر قوله : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » . وكما ذكر زيارته لأهل البقيع وأحد ، فإن هذا صحيح ، وهنا لم يذكر شيئا من الحديث الصحيح ، فبقي ما ذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع . الوجه الرابع : أن نقول : هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين العارفين بالصحيح ، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ زيارة قبره حديث صحيح عند أهل المعرفة ، ولم يخرّج أرباب الصحيح شيئا من ذلك ، ولا أرباب السنن