ابن تيميه

85

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

وقد روي عن مالك رواية أخرى أنه لم يحدّد للتنفل موضعا من المسجد ، بل سوّى بين الجميع . وكذلك قال أحمد وابن حبيب وسائر العلماء ؛ إنه يبدأ بالركوع في المسجد . وهذا مذهب السلف والخلف - أهل المذاهب الأربعة وغيرهم - لكن منهم من يختار الصلاة في الروضة ، كما ذكر ذلك أحمد وابن حبيب وغيرهما . وما علمت نزاعا في أنه يصلي في المسجد أولا إلا ما رأيته في المناسك لأبي القاسم بن حباب السعدي في آداب الإحرام والمجاورة والزيارة ، قال فيه : فإذا دخل الداخل المسجد فهل يبدأ بحقوق المسجد أو بحقوق المصطفى وهو التأدّب بآداب الزيارة ؟ اختلف العلماء في ذلك ؛ فمن قائل يقول : يبدأ بحقوق المسجد أولا لأنه أوّل البقعة يلاقيها قبل لقاء المصطفى ، فيقيم آداب المسجد بصلاة ركعتين قبل الزيارة ، قالوا : ولا يزيد بزيارته ميتا على زيارته حيّا ، وقد كانت صحابته إذا دخلوا للقائه في المسجد يبدءون بتحية المسجد قبل لقائه ، بأمر منه واقتداء منهم . وقال آخرون : دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى ، فالقسم الأول زيارته ، والثاني حقوق المسجد ، فيبدأ بحقوقه قبل حقوق المسجد . والصحيح الأول . قلت : هذا القول لم يقله عالم معروف يحكى قوله ، إنما قاله : بعض من لا يعرف شريعة الإسلام ، ولهذا علّله بقوله : دخول المسجد إنما كان لزيارة المصطفى ، فإن هذا التعليل يدلّ على جهله بسنته صلى اللّه عليه وسلّم المتواترة التي أجمع المسلمون عليها ، وهو أن المسجد شرع دخوله للصلاة فيه ، وإن لم يكن هناك قبره كما كان على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلّم وعهد خلفائه ، والرحال تشدّ إليه كما قال : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا » . وهذا متفق عليه بين المسلمين . والسفر لقبره لو كان مشروعا لكان يسافر لهذا ولهذا . فالذي يقول : إن السفر للقبر دون المسجد هو المشروع ، فمن قال : هذا ؛ فإنه لا يعرف دين الإسلام ، فإن أصر على مشاقة الرسول واتّباع غير سبيل المؤمنين تعيّن قتله . فكيف إذا كان المشروع هو السفر إلى مسجده وقد نهى عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كما قد ذكره السلف والأئمة ، وهذا مبسوط في موضع آخر . والمقصود هنا ؛ أن الزائر إنما يصل إلى مسجده ويشرع له الصلاة في مسجده بالاتفاق ، والصلاة والسلام عليه والثناء وتعزيره وتوقيره وذكر ما منّ اللّه عليه به ، ومنّ على الناس به . فأما الوصول إلى قبره أو الدخول إلى حجرته ؛ فهذا غير ممكن ولا مقدور ، ولا هو من المشروع المأمور ، بخلاف سائر القبور . وإذا كان المراد بزيارة قبره والسفر إليه هو السفر إلى مسجده وفعل ما يشرع هناك ؛ فالمجيب قد ذكر أن هذا مستحبّ بالنصّ والإجماع ، وما حكاه عن المجيب