ابن تيميه
86
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
يقتضي أنه حرّم مثل هذا السفر ، ويقتضي أن السفر إليه والسفر إلى قبر غيره سواء ، وهذا غلط عظيم على شرع الرسول وعلى المجيب وغيره . الوجه السابع : أنه إذا كان المراد بالسفر إليه وزيارته هو السفر إلى مسجده ؛ وهذا سفر مستحبّ بالنصّ والإجماع ، والسفر لزيارة سائر القبور ليس مستحبا بالنص والإجماع ، وهذا المعترض قد سوّى بينهما ، فقد خالف النصّ والإجماع . الوجه الثامن : أن يقال : المراد بزيارته المستحبة وبالسفر إليها هو السفر إلى مسجده باتفاق المسلمين ، ثم جميع ما يشرع هناك من الصلاة والسلام عليه والدّعاء له والثناء عليه ، هو مشروع في مسجده وسائر المساجد ، وسائر البقاع باتفاق المسلمين ، فلم يبق لنفس القبر اختصاص بعبادة من العبادات ، بخلاف قبر غيره ؛ فإنه إذا استحبّ زيارة قبور أحد المؤمنين للدعاء له والاستغفار ؛ استحب أن يصلي إلى قبره ويدعو له هناك ، كما يصلي على قبره ، فإن قبره بارز يمكن الوصول إليه ، والرسول حجب قبره ولم يبرزوه ، فلا يشرع ولا يقدر أحد على زيارته كما يشرع ويقدر على زيارة قبر غيره ، بل زيارته التي يشرع لها السفر إنما هي السفر إلى مسجده ، ولهذا كان أهل مدينته يكره لهم كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه أن يأتوا إلى قبره ، بخلاف مسجده ؛ فإنه مشروع لهم إتيانه والصلاة فيه ، كما يشرع في سائر المساجد ، والصلاة فيه أفضل . والغرباء يستحبّ لهم صلاة التطوع في مسجده بخلاف أهل البلد ، فإنه قد ثبت عنه أنه قال لأهل المدينة : « أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة » « 1 » . فعلم أن الذي ذكروه من استحباب زيارة قبره إنما هو السفر إلى مسجده ، ليس هو زيارة قبره كما تزار القبور ، فإن ذلك غير مشروع ولا مقدور ، والمجيب قد ذكر هذا الفرق وذكر استحباب السفر إلى مسجده بالنص والإجماع وما استحبه العلماء من زيارة قبره ، وهذا المعترض سوّى بينهما ، وذكر عن المجيب أنه حرّم السفر لزيارة قبره وسائر القبور ، ولم يذكر عنه أنه استحبّ السفر إلى مسجده وزيارته الزيارة الشرعية ، فتبين بطلان ما نقله عنه . مع أن نفس زيارة القبور مختلف في جوازها ؛ قال ابن بطال في « شرح البخاري » : كره قوم زيارة القبور لأنه روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أحاديث في النهي عنها . وقال الشعبي : لولا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نهى عن زيارة القبور لزرت قبر ابني . قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون زيارة القبور ، وعن ابن سيرين مثله ، قال : وفي
--> ( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري ( 731 ، 6113 ، 7290 ) ومسلم ( 781 ) وغيرهما ، من حديث زيد بن ثابت رضي اللّه عنه .