ابن تيميه
79
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
وطلب الثواب . وقال أصبغ عن ابن القاسم : موطنان لا يذكر فيهما إلا اللّه ؛ الذبح والعطاس فلا يقال فيهما بعد ذكر اللّه : محمد رسول اللّه ، ولو قال بعد ذكر اللّه : محمد رسول اللّه ، لم يكره تسميته له مع اللّه . وقال أشهب : لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلّم استنانا . قلت : والشافعي لم يكره ذلك ، بل قال : هو من الإيمان ، وهو قول طائفة من أصحاب أحمد كأبي إسحاق وابن شاقلا . [ الحلف بالملائكة والأنبياء ] وكذلك تكلّموا في الحلف بالملائكة والأنبياء ؛ أما الملائكة فاتفق المسلمون على أنه لا يحلف بأحد منهم ، ولا تنعقد اليمين إذا حلف به ، وهذا أيضا قول الجمهور في الأنبياء كلهم ؛ نبينا وغيره ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين ، وعنه أنها تنعقد بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم خاصة ، اختارها طائفة من أصحاب أحمد كالقاضي أبي يعلى وغيره ، وخصوا ذلك بالنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وابن عقيل عدّى ذلك إلى سائر الأنبياء . والصواب : قول الجمهور ؛ وأنه لا تنعقد اليمين بمخلوق لا بنبي ولا غيره ، بل ينهى عن الحلف به . فإذا قيل : لا يحلف به ، أو لا يحلف بالأنبياء ولا بالملائكة ؛ لم يكن هذا معاداة لهم ولا سبا ، ولا تنقّصا بهم عند أحد من المسلمين ، وكذلك سائر خصائص الرب إذا نفيت عنهم فقيل : لا تعبد الملائكة ولا الأنبياء ، ولا يسجد لهم ، ولا يصلّى لهم ، ولا يدعون من دون اللّه ، ونحو ذلك ؛ كان هذا توحيدا وإيمانا ولم يكن هذا تنقيصا بهم ، ولا سبّا لهم ، ولا معاداة ، كما قال تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ إلى قوله : بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران 79 ، 80 ] . فإذا قيل : لا يجوز لأحد أن يتخذ الملائكة والنبيين أربابا ، كما ذكر اللّه ذلك في القرآن ، ولم يقل مسلم هذا معاداة لهم ولا منقصة ولا سب . وكذلك إذا قيل : إنهم عباد اللّه ، وإن المسيح وغيره عباد للّه ؛ كان هذا توحيدا وإيمانا ، لم يكن ذلك تنقصا ولا سبّا ولا معاداة ، قال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إلى قوله : وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [ النساء : 171 - 173 ] . وقد ذكر أهل التفسير أن أهل نجران قالوا : يا محمّد إنك تعيب صاحبنا فتقول : إنه عبد اللّه . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إنه ليس بعار بعيسى أن يكون عبدا للّه » فنزل : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ [ النساء : 172 ] . أي : لن يأنف ويتعظم عن ذلك .