ابن تيميه
73
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
واجب في كل موضع ، وكذلك الصلاة والسلام على الرسول وغير ذلك . فمن يجد قلبه عند قبر الرسول أكثر محبة له وتعظيما ، ولسانه أكثر صلاة عليه وتسليما مما يجده في سائر المواضع ؛ كان ذلك دليلا على أنه ناقص الحظ منحوس النصيب من كمال المحبة والتعظيم ، وكان فيه من نقص الإيمان وانخفاض الدرجة بحسب هذا التفاوت ، بل المأمور به أن تكون محبته وتعظيمه وصلاته وتسليمه عند غير القبر أعظم ، فإن القبر قد حيل بين الناس وبينه ، وقد نهى أن يتخذ عيدا ، ودعا اللّه أن لا يجعل قبره وثنا ، فإن لم يجد إيمانه به ومحبته له وتعظيمه له وصلاته عليه وتسليمه عليه إذا كان في بلده أعظم مما يكون لو كان في نفس الحجرة من داخل ؛ لكان ناقص الحظ من الدين وكمال الإيمان واليقين ، فكيف إذا لم يكن من داخل بل من خارج ؟ فهذا هذا ، واللّه أعلم . [ عداوة الأنبياء بمخالفتهم لا بموافقتهم ] الوجه الرابع : أن يقال : عداوة الأنبياء وعنادهم هو بمخالفتهم لا بموافقتهم كمن نهى عما أمروا به من عبادة اللّه وحده ، وأمر بما نهوا عنه من الشرك بالمخلوقات كلها بالملائكة والأنبياء والشمس والقمر والتماثيل المصورة لهؤلاء ، وغير ذلك . ومن كذّبهم فيما أخبروا به من إرسال اللّه لهم وما أخبروا به عن اللّه من أسمائه وصفاته وتوحيده وملائكته وعرشه ، وما أخبروا به من الجنة والنار والوعد والوعيد ، فلا ريب أن من كذّب ما أخبروا به ونهى عما أمروا به ، وأمر بما نهوا عنه ؛ فقد عاداهم وعاندهم . وأما من صدّقهم فيما أخبروا به وأطاعهم فيما أمروا به ، فهذا هو المؤمن ولي اللّه الذي والاهم واتبعهم . وإذا كان كذلك ؛ فننظر فيما جاء عن نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلّم وغيره من الأنبياء ، إن كانوا أمروا بالسفر إلى القبور كما يسافر المسافرون لزيارتها يدعون ويستغيثون بها ، ويطلبون منها الحوائج ، ويتضرّعون لها - أي لأصحابها - ويرون السفر إليها من جنس الحج أو فوقه أو قريبا منه ، فمن نهى عما أمر به الرسول ورغّب فيه يكون مخالفا له ، وقد يكون بعد ظهور قوله له : وإصراره على مخالفته معاديا ومعاندا ، كما قال تعالى : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى [ النساء : 115 ] الآية . وإن كان الرسول لم يأمر بشيء من ذلك ، ولكن شرع السفر إلى المساجد الثلاثة ، وقال : « لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ؛ المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » . ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعل ذلك ، وهو أهون من الحجّ إليها ومن دعاء أصحابها من دون اللّه ، فإن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء دون ذاك . فالمخالف للرسول الآمر بما نهى عنه من شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة ، الآمر بالسفر إلى زيارة القبور ؛ قبور الأنبياء والصالحين ، وهذا السفر قد علم أنه من