ابن تيميه
65
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
أوثانا من دون اللّه ، وصاروا يظنّون فيها ما يظنه أهل الأوثان في أوثانهم ، فإنهم كانوا يرجونها ويخافونها ويظنون أنها تنفع وتضر . ولهذا قالوا لهود عليه السلام : إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [ هود : 54 ] فقال هود : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إلى قوله : فَكِيدُونِي جَمِيعاً [ هود : 54 ، 55 ] إلى قوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ هود : 56 ] . وقد قال اللّه تعالى في قصة الخليل : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ إلى قوله : مُهْتَدُونَ [ الأنعام : 80 - 82 ] . وقال اللّه تعالى لخاتم الرسل صلى اللّه عليه وسلّم بعد أن خاطب المشركين فقال : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى قوله : فَلا تُنْظِرُونِ [ الأعراف : 194 ، 195 ] . وقال : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إلى قوله : حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [ الزمر : 36 - 38 ] . وأول ما ظهر الشرك بمكة من عمرو بن لحي سيد خزاعة ، وكانت خزاعة ولاة البيت بعد جرهم ، وقيل : قريش ، فجاء إلى البلقاء فرآهم يعبدون الأصنام ، وزعموا أنها تنفعهم فجلب أصناما إلى مكة ونصبها حول الكعبة « 1 » . قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم : « رأيت عمرو بن لحي وهو يجر قصبه في النار - أي أمعاءه - وهو أول من غيّر دين إبراهيم عليه السلام » « 2 » . وإذا كان كذلك ؛ فمعلوم أنه لو نهى عن زيارة القبور مطلقا كما نهى عن ذلك في أول الإسلام ، وكما هو أحد قولي العلماء ؛ لم يكن في ذلك معاداة لأهل القبور ولا معاندة ، فكيف إذا كان النهي إنما هو عن السفر لزيارة القبور ؟ وهو نهي عام لا تختصّ به الأنبياء والصالحون ، بل كما نهى عن السفر إلى مسجد غير الثلاثة ، فهل يقول عاقل إن هذا من باب الاستهانة بالمساجد والاستخفاف بها ، كالذي يمنع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه ؟ بل النهي عن السفر إليها مع إتيانها وعمارتها بالعبادات من أفضل الطاعات ، فليس في ذلك نقص لقدرها ، وكذلك إذا نهى عن السفر مع جواز زيارتها بلا سفر ، واستحباب ذلك ، فإنه لا يكون تنقّصا بأهل القبور بطريق الأولى ، إذا كان جنس النهي عن زيارتها ليس تنقصا بهم ، بخلاف النهي عن عمارة المساجد وإتيانها للصلاة والذكر
--> ( 1 ) انظر « السيرة النبوية » لابن هشام ( 1 / 111 ) - ط . إحياء التراث العربي - . ( 2 ) أخرجه ابن إسحاق كما في « السيرة النبوية » ( 1 / 111 ) والحاكم في « المستدرك » ( 4 / 605 ) . وقال الحاكم : « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه » . ووافقه الذهبي . وإنما هو حسن فقط ، كما بيّنته في تحقيقي على « السيرة » - يسّر اللّه إتمامه - وانظر « السلسلة الصحيحة » ( 1677 ) .