ابن تيميه
66
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
والدعاء كان من أظلم الناس ، فإن من نهى عن ذلك كان كافرا . كما قال تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [ البقرة : 114 ] الآية . ولو نهى عن السفر إليها كما نهى النبي صلى اللّه عليه وسلّم وأئمة المسلمين وقال : من نذر السفر إليها لا يوف بنذره ؛ لم يكن تنقصا بالقبور ، التي لو نهى عن زيارتها لم يكن متنقصا بها ، فإذا نهى عن السفر إليها لم يكن متنقصا بها بطريق الأولى والأحرى ، وهذا بيّن لمن تدبّر . [ شد الرحال لزيارة قبور الصالحين هو من جنس عمل المشركين ] الوجه الثالث : أن يقال : لا ريب أن أهل البدع يحجّون إلى قبور الأنبياء والصالحين ، ويزورونها غير الزيارة الشرعية لا يقصدون الدعاء لهم كالصلاة على جنائزهم ، بل الزيارة عندهم والسفر لذلك من باب تعظيمهم لعظم جاههم وقدرهم عند اللّه ، ومقصودهم دعاؤهم أو الدعاء بهم أو عندهم ، وطلب الحوائج منهم ، وغير ذلك مما يقصد بعبادة اللّه تعالى ، ولهذا يقولون : إن من نهى عن ذلك فقد تنقّص بهم ، فهذا القول مبنيّ على ذلك الاعتقاد والقصد والظن . والنصارى يحجّون إلى الكنائس لأجل ما فيها من التماثيل ، ولأجل من بنيت لأجله ، كما يحجّون إلى موضع قبر المسيح عندهم الكنيسة ، التي يقال : إنها بنيت على قبره موضع الصّلب بزعمهم . وهم يبنون الكنائس على من يعظّمونه مثل جرجس وغيره ، فيتّخذون المعابد على القبور ، وهم ممن لعنهم النبي صلى اللّه عليه وسلّم على ذلك تحذيرا لأمته وقال لأمته : « إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك » رواه مسلم . والكنيسة التي بنيت موضع ولادته المسماة ببيت لحم ، وكنائس أخر التي يسمونها القيامة . وكان صاحب الفيل قد بنى كنيسة باليمن وأراد أن يصرف حجّ العرب عن الكعبة إليها ، فدخلها بعض العرب وأحدث فيها ، فغضب وجمع الجنود وسار بالفيل ليهدم الكعبة حتى فعل اللّه به ما فعل . وكذلك كان بالطائف اللات وكانوا يحجّون إليها . وفي حديث أبي سفيان عن أمية بن أبي الصلت لما أخبر عن العالم الراهب أنه قد أظل زمان نبيّ يبعث من العرب ، وطمع أمية بن أبي الصلت أن يكون إياه ، وقال له ذلك العالم : إنه من أهل بيت يحجّه العرب ، فقال : إنا معشر ثقيف فينا بيت يحجّه العرب ، قال : إنه ليس منكم ، إنه من إخوانكم من قريش . وذلك البيت هو بيت اللات المذكور في قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [ النجم : 19 ، 20 ] . والطائف ومكة هما القريتان اللتان قالوا فيهما : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] . وآخر غزوات النبي صلى اللّه عليه وسلّم من غزوات القتال هي غزوة الطائف ولم يفتحها ، ثم إن أهلها